هل فاقد الشئ لا يعطيه ؟

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي
من العبارات التي جرت على ألسنة الناس حتى كادت تستقر في مقام الحقائق قولهم «فاقدُ الشيء لا يعطيه.»
ولطالما بدت لي هذه العبارة صحيحةً إذا قسنا بها الأشياء، مضطربةً إذا قسنا بها الإنسان، لأن قوانين الخزائن لا تصلح دائمًا قوانينَ للقلوب. فمن لا يملك مالًا لا ينفقه، ومن لا يعرف علمًا لا يعلّمه، ولكن هل الرحمة مال؟ وهل الحنان شيء نختزنه ثم ننفق منه؟ وهل يلزم المرء أن يكون قد أُغدق عليه الحب حتى يعرف كيف يحب؟
الإنسان أعقد من أن يكون مجرد حصيلة لما أعطته الحياة. ومن أعجب أسرار النفس أنها تستطيع أن تستخرج من النقص وفرة، ومن الحرمان عطاءً، ومن الجرح رحمة، حتى ليصبح ما افتقدناه يومًا هو أكثر ما نحرص على ألا يفتقده الآخرون.
فكم من يتيم صار أحنَّ الآباء لأنه عرف وحشة اليد حين تمتد فلا تجد يدًا تمسكها، وكم من وحيد صار أصدق الناس صحبةً لأنه عرف ثمن الأنس حين غاب، وكم من مظلوم جعلته مرارة الظلم أشد تحريًا للعدل، كأن النفس تعوض ما نقصها بإغداقه على الآخرين.
ولعل في مفارقات الإنسان ما يهدم ظاهر تلك المقولة من أصلها، فليس كل من فقد شيئًا فقد أثره، ولا كل من امتلكه أحسن الانتفاع به. وكم من إنسان حُرم نعمةً ففتح للآخرين أبوابًا إليها، وكم من ممتلك لها عاش غريبًا عن معناها.
ولعل أبلغ ما يصوّر هذه المفارقة ذلك البيت:
فَرُبَّ ضَرِيرٍ قَادَ جِيلًا إِلَى العُلَا
وَبَصِيرٌ عَمِيَ عَنْ رُشْدِهِ وَهُوَ يُبْصِرُ
فما كل فقدٍ عجزًا، كما أن ما نملكه ليس بالضرورة قدرة. والبصر شيء، والبصيرة شيء آخر. وقد تُطفأ نافذة في الجسد، بينما تظل في الروح نوافذ ترى أبعد مما تراه العيون.
وهنا تنقلب فلسفة الفقد كلها. فنحن نظن أن الإنسان يعطي دائمًا مما امتلأ به، بينما قد يكون أكثر الأشياء فيه حضورًا هو ما غاب عنه.
ولعلني لم أفهم هذا المعنى حقَّ فهمه حتى عرفتُ فقد الأب.
فثمة أحزان نعرف أسماءها قبل أن تصيبنا، ولكننا لا نعرف عمق معناها. نمر بها في حيوات الآخرين، ونواسي أصحابها، ونظن أننا أدركناها، حتى يأتي يوم تعبر فيه إلينا، فنكتشف أن بين معرفة الحزن وتجرّع غُصصه فرقًا شاسعًا، وأن ما تدركه العقول من وجع الآخرين لا يبلغ دائمًا ما تعرفه القلوب حين يقع الوجع فيها.
كنت أعرف الموت قبل ذلك جيدًا، أو هكذا كنت أظن. رأيته في عملي أكثر مما يراه كثير من الناس، ووقفت عند أسرّة انطفأت عليها حيوات، ورأيت أبناءً وبناتٍ يودعون آباءهم وأمهاتهم، وواسيتهم بما استطعت من رفق.
ثم مات أبي.
وحينها عرفت أن الطبيب، مهما أكثر من مشاهدة الموت، يظل يعرف منه وجهًا واحدًا حتى يدخل الموت بيته.
عرفته هذه المرة لا طبيبةً تقف عند طرف السرير، بل ابنةً مدللةً فقدت أباها.
ومنذ ذلك الحين تغيّر شيء عميق في نظرتي إلى المرضى وذويهم.
صرت أشعر بألم المريض أكثر، وأتأنى في تفسير خوفه، وأشرح له أكثر، لأنني أدركت أن المعرفة في ساعة القلق ليست ترفًا، وأن كلمات قليلة واضحة من الطبيب قد ترد إلى قلب مضطرب شيئًا من اتزانه.
وصرت أصبر على ذوي المرضى أكثر. على أسئلتهم المتكررة، ووقوفهم عند الأبواب، وطلبهم أن نعيد الشرح مرةً بعد أخرى. وحتى ذلك القلق الذي قد يظهر في صورة إلحاح أو تذمر أو شيء من الحدة، صرت أراه بعين مختلفة.
فليس كل إلحاح سوء تقدير، ولا كل تذمر اعتراضًا، ولا كل كثرة سؤال عدم ثقة.
الحب في مواطن الخوف والقلق لا يحسن التعبير عن نفسه أو قد يتجسد في صور أخرى.
فيأتي في هيئة سؤال يتكرر، أو قريب لا يستطيع الجلوس في مكانه، أو ابن يستعجل نتيجة التحليل قبل ظهورها، أو ابنة تسأل الطبيب مرةً بعد أخرى: هل سيكون بخير؟
وربما كنا نرى السلوك ولا نرى ما وراءه.
أما اليوم، فكثيرًا ما أرى خلف ذلك كله إنسانًا مذعورًا من احتمال أن يعود إلى بيته دون من يحب.
فالسؤال الذي قد يبدو إلحاحًا ربما كان خوفًا، والتذمر قد يكون عجزًا عن احتمال الانتظار. وليس معنى ذلك أن القلق يبرر تجاوز حدود الاحترام، وإنما أن فهم الدافع يجعلنا أرحم في الحكم، وأوسع صدرًا في التعامل.
لقد علمني فقد أبي شيئًا لم تعلمنيه كتب الطب وهو أن المريض الذي أمامي ليس وحده من يتألم، فحول كل سرير دائرة خفية من القلوب المعلقة به. نحن نعالج جسدًا واحدًا، لكن خلف الباب وفي المنزل هناك أمٌّ ترتجف، أو زوجة تحبس دمعتها، أو ابن يتظاهر بالتماسك، أو ابنة لا تزال، مهما كبرت، ترى أباها ذلك السند الذي لا تتصور العالم من دونه.
وأعرف الآن هذه الابنة جيدًا.
لأنني كنتها.
ومع ذلك، لا أريد أن أجمّل الألم، فليس في الفقد جمال، ولا في الانكسار شيء يستحق أن يُطلب. والمحنة التي تجعل إنسانًا أكثر رفقًا قد تجعل آخر أشد قسوة، فالنار واحدة، ولكنها تحرق شيئًا وتصقل شيئًا آخر.
ولذلك ليست العظمة في أن نتألم، وإنما فيما نصنعه بذلك الألم وهو أن نخرج من القسوة دون أن نصبح قساة، ومن الخذلان دون أن نتعلم الخيانة، ومن الحرمان دون أن نبخل، ومن الفقد في القلب متسع أكبر لمواساة الفاقدين.
ولعل تلك إحدى أشق انتصارات الإنسان على الحياة
ألا يعيد إلى العالم الأذى الذي أعطاه العالم إياه.
لهذا لم أعد أُسلّم كثيرًا بمقولة «فاقد الشيء لا يعطيه.»
وقد كنت أظن أن الرحمة أن أتألم لألم الآخر، ثم عرفت أن لها مرتبةً أعمق وهي أن أفهم لماذا يتصرف المتألم على نحو قد لا أفهمه لو لم أتألم أنا أيضًا.
ومنذ رحيل أبي، كلما وقفت أمام مريض خائف أطلت الشرح قليلًا، وكلما حاصرني قريب بأسئلته حاولت أن أسمع السؤال المختبئ خلف أسئلته كلها وهو هل سيبقى من أحب؟
وكلما رأيت ابنةً تقف عند سرير أبيها، معلقةً بين الرجاء والخوف، رقَّ لها في داخلي موضع لا علاقة له بالطب، موضع تعرفه البنات المدللات بآبائهن وحدهن.
وهناك، عند ذلك الحد بين الطبيبة والابنة، فهمت أن بعض ما نمر به في الحياة لا يزيد معارفنا بقدر ما يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى البشر.
فقد أخذ مني الفقد شيئًا لن يعيده شيء، لكنه ترك لي عينًا أخرى أرى بها وجع الناس، وأذنًا تسمع ما وراء أسئلتهم، وقلبًا أكثر صبرًا على خوفهم.
وأبي وإن غاب عن عالمي، ترك في قلبي شيئًا منه لكل مريض أرفق به، ولكل أهل أصبر على قلقهم، ولكل ابنة أقف إلى جوارها في اللحظة التي يبدأ فيها العالم فجأةً، من دون أبيها.
وهكذا أدركت أن بعض الذين نحبهم لا تنتهي صلتهم بالعالم حين يرحلون، فقد يمتد شيء منهم إليه من خلالنا. في رفقٍ تعلمناه بعدهم، وفي صبرٍ أورثنا إياه غيابهم، وفي رحمةٍ تصل إلى أناس لم يعرفوهم قط.
فبعض الفقد يأخذ من العمر وجهًا لا يتكرر، ومن القلب موضعًا لا يُملأ، ثم يمضي، على قسوته، فينحت في الروح فجوة نيرة لم تكن فيها من قبل.
ولعل أرقَّ مفارقات الفقد وأشدها وجعًا، أن يأخذ من القلب عزيزًا لا يُعوَّض، ثم يترك القلب أكثر قدرةً على احتواء العالم.




