عام

الالتزام بأنظمة المرور  

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله، وصَحْبه أجمعين، وبعد:

معاشر القراء الكرام:

إنَّ من النعم التي منَّ الله بها علينا في هذه الأزمنة المتأخرة نعمةُ المركوباتِ الحديثة المطورة من طائراتٍ، وسياراتٍ، وقطاراتٍ، وغيـرِها، والتي لم تكن يوماً من الأيام في البال ولا في الخيال، وصدق الله إذ يقول:

﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾

فقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي:

“مما يكون بعد نزولِ القرآن من الأشياءَ التي يركبها الخلق في البر، والبحر، والجو، ويستعملونها في منافعهم، ومصالحهم؛ فإنَّه لم يذكرها بأعيانها؛ لأنَّ الله تعالى لايذكر في كتابه إلاَّ ما يعرفه العباد أو يعرفون نظيره، وأمَّا ما ليس له نظيرٌ في زمانهم؛ فإنَّه لو ذُكر لم يعرفوه، ولم يفهموا المراد منه؛ فيذكر أصلاً جامعاً يدخل فيه ما يعلمون، وما لايعلمون كما ذَكَر نعيم الجنة، وسمَّى منه ما نعلمُ، ونشاهدُ نظيره؛ كالنخلِ، والأعناب، والرمان، وأجمل ما لانعرف له نظيراً في قوله: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ فكذلك هنا ذكر ما نعرفه من المراكب؛ كالخيلِ، والبغال، والحمير، والإبل، والسفن؛ وأجمل الباقي في قـوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾”

ـ انتهى كلام الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله من تفسيره تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان على سورة النحل.

معاشر القراء:

إنَّ من شكر الله تعالى على نعمة المركوبات الحديثة أن نستخدمها فيما أباحه الله، وأمر به، وألاَّ نستخدمها فيما يبغض الله ويسخطه علينا، وإنَّ من شكر الله على نعمة السيارات، وغيرها؛ الإلتزام فيها بأنظمة المرور، والإرشادات الأمنية؛ وهو اجبٌ شرعي؛ لأنَّه من مقتضيات السمع والطاعة لولي أمر المسلمين الذي أمر الله بطاعته في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ

وعلى من خالف تلك الأنظمة المرورية، والإرشاداتِ الأمنية الإثم الكبير، والعقوبة الشديدة بحسب تلك المخالفة ونوعها؛ وليست المخالفة لأنظمة المرور أمراً بسيطاً تُدفع غرامتها وتنتهي؛ بل هي مخالفةٌ شرعيةٌ؛ يتحمل تبعتها المخالف دنياً وأخرى؛ قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:

“الأنظمة التي وضعها ولي الأمر للمصلحة العامة، ومنها المرور طاعتها واجبةٌ، ومخالفتها إثمٌ”

انتهى كلامه رحمه الله.

معاشر القراء:

إنَّ الشريعة الإسلامية اعتنت غاية العناية بحفظ النفوس البشرية من أن يصيبها شيءٌ من الضرر بسبب تلك المخالفات المرورية، والارشادات الأمنية، وصدق الله تعالى إذ يقول:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]

وقال تعالى:

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32]

وقال صلى الله عليه وسلم:

{كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ} (رواه مسلمٌ في صحيحه)

فمن تسبب في حادثٍ مروري، فإنَّه لايتسبب في قتل سائقٍ واحدٍ فقط؛ بل قد يتسبب في قتل عائلةٍ بأكلمها، فيبوء المتسبب بالاثم العظيم، والجرم الكبير دنياً وأخرى عياذاً بالله.

أيها الإخوة الفضلاء:

كم بيوتٍ قد أغلقت بعد موت أهلها، وكم من أسرٍ قد تيتمت بوفاة العائل عليها، وكم هم المصابون بسبب تلك الحوادث المرورية، والذين شلَّت أطرافهم، وشوهت صورهم، فعانى أسرهم بعدهم، مالياً ونفسياً، وهم يرجون رحمة الله لمصابيهم، ونزول الشفاء عليهم.

معاشر القراء:

إنَّ المخالفات لأنظمة المرور كثيرةٌ يجب اجتنابها جميعاً، وخاصةً: السرعة الزائدة عما حدد لها نظاماً.قطع الإشارة المرورية. الاشتغال بالجوالات عن النظر للطريق.

وغيرها من المخالفات المرورية، التي يجب اجتنابها، والتي في تركها خيانةٌ للأمانة، واعتداءٌ على حقِّ الناس في الحياة الآمنة، وإتلافٌ لأموالهم، وصدق الله تعالى إذ يقول:

﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

وإنَّ الله سائلنا يوم القيامة عن كل مخالفةٍ نظامية وشرعيةٍ وقعنا فيها، ونحن عندنا قدرةً على تركها، والبعد عنها.

أيها الإخوة الفضلاء:

إنَّ القيادة وفق الأنظمة والقوانين؛ التي تنظم حركة المرور يعكس وعي وثقافة المجتمع وسلوكه الحضاري، والتي قررتها الشريعة الإسلامية، ورغبت فيها كترغيبها في العبادات المشروعة؛ والله نسأل صلاح أنفسنا، وأولادنا، وأن يغفر لنا، ويتجاوز عن تقصيرنا فيما سلف وكان؛ إنَّ ربنا غفور رحيم؛ وأن يعيننا وإياكم على الإلتزام بأنظمة الدولة عموماً، وأنظمة المرور خاصة، والتي فيها رعاية مصالحنا، وبتركها أو التهاون بها يحصل الشر والبلاء والضرر على المخالفين لها؛ اللهم أدم علينا ديننا، وأمننا، وقيادتنا، والخيرات في ديارنا؛ وآتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ اللهم آمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬