السكينة في قلب العاصفة

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي
رنَّ هاتف الطوارئ يحمل بلاغًا من الإسعاف:
“لدينا مجموعة من الحالات الحرجة، ستصل إلى المستشفى خلال أربع دقائق.”
أغلقت السماعة، ولم يكن في الوقت متسعٌ للدهشة، ولا للفزع، ولا حتى للتفكير الطويل.
في ثلاث دقائق فقط، كان كل شيء قد جُهّز بنظام.
قُسِّم الفريق.
ووُزِّعت الأدوار.
وجُهِّزت الأسرة.
واختُبرت أجهزة التنفس والصدمات.
واصطفَّت الأدوية وأدوات الإنعاش في أماكنها، وكأنها تحفظ مواقعها كما يحفظ الجندي موضعه ساعة النفير.
ثم فُتحت أبواب قسم الطوارئ…
ودخلت الحالات تباعًا..
في تلك اللحظات، لم يكن في الغرفة متسعٌ للارتباك. كانت الأوامر تخرج بقدر الحاجة، والأيدي تتحرك بقدر الحاجة، والعيون لا ترى إلا ما ينبغي أن تراه.
دقائق قليلة…
لكنها كانت تكفي لأن يُكتب لأحدهم عمرٌ جديد، أو تُطوى عندها قصة عمرٍ كامل.
ثم انقشعت العاصفة.
واستقرت الحالات، وكتب الله لهم النجاة، وأكملوا رحلتهم العلاجية في أروقة المستشفى، حيث تولى زملاؤنا في الأقسام المختلفة ما بقي من علاجهم.
لم يبقَ في ذهني من ذلك المشهد سؤالٌ عن سرعة الإجراءات، ولا عن دقة الإنعاش فهذا ما اعتدته حتى جاءني سؤال من طبيب في تخصص آخر:
كيف تستطيعون يا أهل الطوارئ وأنتم تقفون في وجه العاصفة على حافة الموت وبدون استعداد… على أن تظلوا بهذا القدر من السكينة ؟!
تراود إلى ذهني حينها بيتٌ طالما وقفت عنده:
نَمُشُّ بِأَقْحَافِ الرِّجَالِ كِلَامَنَا
وَنَمْشِي الهُوَيْنَى كَمَا تَمْشِي المَخَاضُ البَوَازِلُ
وأدركت أن الشاعر لم يكن يصف شجاعة السواعد وحدها، بل كان يصف شيئًا أعظم.
كان يصف طمأنينة النفوس حين تضطرب الدنيا من حولها.
ما أكثر ما يخطئ الناس في فهم القوة.
يحسبونها في ارتفاع الصوت إذا اشتد الخطب، وفي كثرة الحركة والأوامر إذا دهمت النوازل، وفي استعجال القرار إذا ضاق الوقت. وكأن العظمة لا تثبت إلا بالضجيج، ولا تُرى إلا إذا صاحبتها الفوضى.
وليس الأمر كذلك البتة.
فإن أعظم القوى ليست تلك التي تُخضع الآخرين، وإنما تلك التي تُخضع صاحبها. وليس أشد الناس بأسًا من يملك زمام غيره، بل من يملك زمام نفسه ساعة تضطرب النفوس.
ولهذا لم يكن العربي يجلُّ الرجل لكثرة بطشه وحدها، وإنما لثباته عند اشتداد الخطوب. فرب اندفاعٍ تمليه ثورة النفس، أما السكينة فلا تكون إلا ثمرة عقلٍ روضته التجارب، ونفسٍ هذبتها الشدائد، حتى غدا الخطر يزيدها وقارًا، ولا يزيدها اضطرابًا.
ومن هنا جاء هذا البيت من أفخم ما قالت العرب.
فالشاعر لا يكتفي بأن يقول:
نمشُّ بأقحاف الرجال كلامنا…
بل يعقبها بما هو أعمق دلالة:
ونمشي الهوينى كما تمشي المخاض البوازل.
وكأن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى استعجال، ولا ترى في العجلة فضيلة. فالهوينى هنا ليست بطئًا، وإنما وقار القادر، وسكينة المتمكن، وثقة من يعلم أن الحزم لا ينافي الأناة، وأن أعظم القرارات كثيرًا ما تولد في أكثر اللحظات هدوءًا.
ولعل الشاعر لم يُرد بالمخاض البوازل مجرد عظم الأجساد، وإنما عظم النفوس. فهي لا تمشي الهوينى لأنها تعجز عن الإسراع، بل لأنها بلغت من الثقة مبلغًا لم تعد ترى معه في العجلة برهانًا على القوة.
ولعل هذه هي السجية التي لا غنى عنها لكل قائد، ولكل من أُلقيت على عاتقه مسؤولية تمسُّ عواقبها الناس.
فالقيادة ليست علوَّ صوت، ولا استعجالًا يوهم بالحزم. وإنما هي صفاءُ فكرٍ حين تتلبد الأفكار، وسعةُ حلمٍ حين تضيق الصدور، ورجاحةُ بصيرةٍ حين تعمى الأبصار عن مواضع الصواب.
وليس العظيم من يسبق الناس إلى الكلام، بل من يسبقهم إلى الفهم. ولا من يعجل إلى القرار، بل من يزن عواقبه قبل أن ينطق به. فكم من حركةٍ أفسدها التسرع، وكم من صمتٍ أنقذ موقفًا، وكم من كلمةٍ قيلت في أوانها غيَّرت مصيرًا بأكمله.
ولهذا كانت الطمأنينة ليست أثرًا من آثار القوة، بل هي صورتها الأكمل. فما استقر الوقار في قلب امرئ إلا دل على قوةٍ روضتها التجارب، وما كثر الضجيج إلا كان كثيرًا ما يخفي وراءه اضطرابًا يعجز صاحبه عن كتمانه.
وكنت كلما مررت بهذا البيت، سألت نفسي: أين رأيت هذا المعنى متجسدًا؟ في أي الوجوه رأيت القوة تمشي في ثوب الوقار، لا في ثوب الصخب
حتى طال بي التأمل، ثم أدركت أنني ما كنت أبحث عنه بعيدًا…
لقد كنت أراه كل يوم.
في غرفة الإنعاش بساحة الطوارئ.
فهناك تتجاور الحياة والموت حتى ليخيَّل للناظر أن بينهما بابًا مواربًا، يدخل منه أحدهما ويخرج الآخر في كل لحظة.
هنالك يصبح الزمن أغلى من أن يُقاس بالدقائق، وأثمن من أن يُهدر في التردد. فكل ثانية قد تكون الحد الفاصل بين قلبٍ يعود إلى النبض، وقلبٍ يطوى خبره إلى الأبد.
تتعالى صفارات الأجهزة، وتتلاحق الأوامر، وتتقاطع الأيدي، وتتشبث الحياة بخيطٍ يكاد ينقطع.
ولو تُركت النفوس لطبيعتها، لتحولت الغرفة كلها إلى فوضى.
غير أن الرجل الذي يقف في قلب هذه العاصفة لا يجوز له أن يشاركها اضطرابها.
بل إن أول واجب عليه أن يبقى هادئًا.
ففي غرفة الإنعاش لا يُختبر العلم فقط، بل تُختبر النفوس أيضًا. فإن نجح الطبيب في أن يحفظ صفاء عقله، أمكنه أن يستدعي علمه كله. وإن هزمه اضطرابه، خانته معارفه وإن كانت تملأ الكتب.
ولذلك كثيرًا ما خطر في نفسي أن أول من يموت في غرفة الإنعاش ليس المريض…
بل العقل إذا استسلم للفزع.
فالخوف أسرع عدوى من كثير من الأمراض، وارتباك قائد الفريق لا يبقى حبيس صدره، بل يسري إلى كل يدٍ تعمل، وكل عينٍ تراقب، وكل عقلٍ يتخذ قرارًا.
ولهذا فإن طبيب الطوارئ لا يحارب المرض وحده…
بل يحارب الفوضى أيضًا.
يقود النفوس قبل أن يقود الأيدي.
ويعيد النظام إلى المكان قبل أن يعيد النبض إلى الجسد.
ولعل القيادة، في أشد المواطن خطرًا، ليست أن تتحرك أكثر من الناس، بل أن تضطرب أقل منهم وتثبت حين يعز الثبات.
وليس في هذا الحديث تزكيةٌ لطبيب الطوارئ، ولا انتقاصٌ من سائر التخصصات، فلكلِّ ميدانٍ رجاله، ولكلِّ ثغرٍ فرسانه. وإنما هي شهادةُ من عاش هذا الطريق، ورأى كيف تعيد النوازل صياغة من يقف في وجهها كل يوم.
فإن طبَّ الطوارئ لا يعلِّم صاحبه الطب وحده، بل يعيد تهذيب نفسه كما تُهذَّب السيوف في أتون النار. يعلِّمه أن يملك زمام قلبه قبل أن يملك زمام قراره، وأن يؤخر انفعاله حتى يؤدي واجبه، وأن يجعل العقل أميرًا على العاطفة لا أسيرًا لها.
وما أكثر ما يدخل المرء هذا التخصص طالبًا علمًا، ثم يخرج منه وقد تعلَّم من الحياة ما لم يكن في كتاب. يتعلم أن الدقائق قد تغيِّر الأقدار، وأن كلمةً واحدة قد تُحيي قلبًا أو تُميت أملًا، وأن الجزع لا يردُّ مفقودًا، كما أن السكينة قد تنقذ من الأرواح ما لا تنقذه المهارة وحدها.
ثم لا يقف أثر ذلك عند أبواب المستشفى، بل يتسرَّب إلى حياته كلها، فيغدو أبطأ غضبًا، وأكثر حلمًا، وأبعد نظرًا، وأقلَّ انخداعًا بضجيج الأحداث.
فمن اعتاد أن يقف كل يوم بين الحياة والموت، لم تعد تستفزه صغائر الدنيا كما كانت من قبل. ومن رأى كيف تتبدل الأقدار في دقائق، لم يعد يفرط في القلق على ما لا يستحق القلق. ومن عاشر ضعف الإنسان وآلامه كل يوم، ازداد رحمةً بالناس، وألطف عذرًا لهم، وأقل استعجالًا في الحكم عليهم.
إن طبيب الطوارئ لا يتعلم كيف يسيطر على الموقف فحسب، بل كيف يسيطر على نفسه. ومن ملك نفسه ساعة الفزع، سهل عليه أن يملكها فيما دون ذلك.
ولعل أعظم ما تهبه الطوارئ لأبنائها أنها لا تعلمهم كيف يواجهون الموت فحسب، بل تعلمهم كيف يعيشون الحياة. فهي تعيد ترتيب الأولويات، وتصغر في أعينهم أشياء كانت تبدو عظيمة، وتعظم أشياء كان الناس يغفلون عنها، حتى يغدو الإنسان بعد سنواتها غير الإنسان الذي دخلها أول مرة.
ولعل هذه هي الهبة الخفية التي يمنحها طبُّ الطوارئ لأبنائه، فهو لا يصنع أطباءً فحسب، بل يصنع رجالًا ونساءً أعادت الخطوب تشكيل نفوسهم،
ومع ذلك، فلعل من غرائب هذه المهنة أن أكثر رجالها أثرًا أقلهم ذِكرًا.
فكم من مريضٍ أفاق بعد أيام، فشكر الجرَّاح الذي أتم عمليته، والطبيب الذي لازمه في جناحه، والاستشاري الذي تابع حاله في عيادته، وهو لا يعلم أن حياته إنما عادت إلى مجراها في دقائق معدودات، يوم وقف رجلٌ مجهول عند باب الطوارئ، فقرأ المشهد قراءةً صحيحة، واتخذ القرار الصحيح في اللحظة التي كان فيها الخطأ يساوي حياةً كاملة.
ذلك الرجل لا يرافق المريض طويلًا، وإنما يلقاه عند أخطر منعطفٍ في رحلته. يلتقيه وهو معلقٌ بين الحياة والموت، ثم ينتزع بعد توفيق الله خيط الحياة من بين براثن الهلاك، ويسلمه إلى من بعده ليكملوا رحلة العلاج.
ثم يمضي…
يمضي كما جاء.
لا ينتظر أن يُذكر اسمه، ولا أن تُعلَّق له الأوسمة، ولا أن يحتفظ المريض بملامحه في ذاكرته، لأنه يعلم أن بعض الرجال خُلِقوا ليبقى أثرهم، لا أسماؤهم.
إنه أشبه بحارس الثغر، لا يراه الناس إلا حين ينكسر السور، فإذا عاد الأمن، انصرف في هدوء، ووقف غيره في واجهة المشهد.
وليس في ذلك غبن، بل هو من شرف الرسالة.
فالأعمال العظيمة ليست دائمًا ظاهرة، بل كثيرًا ما تكون خفية قامت عليها سائر الأعمال من بعدها.
إن طبيب الطوارئ هو الفصل الأول في قصة نجاة المريض، غير أن الأبصار كثيرًا ما تتعلق بالفصول التالية، وتنسى أن القصة كلها كان يمكن ألا تُكتب، لولا أن ذلك الفصل الأول كُتب على الوجه الصحيح.
ولعل هذا من أنبل ما تعلمه هذه المهنة، أن قيمة العمل لا تُقاس بمقدار ما يحصده صاحبه من ثناء، وإنما بمقدار ما يتركه من أثر. فما أكثر من علت أسماؤهم وقلَّ أثرهم، وما أكثر من غابت أسماؤهم وبقيت آثارهم شاهدةً عليهم.
ولعل الشاعر، وهو يصف المخاض البوازل، لم يكن يصف قوة البطش وحدها، وإنما كان يصف النفس التي روَّضتها الأيام حتى لم تعد تستعرض قوتها، ولم تعد ترى في الضجيج دليلًا على العظمة.
فالعظيم حقًا لا يرفع صوته ليُسمع، ولا يظهر بأسه ليُقنع، ولا يستعجل ليُثبت أنه حازم.
العظيم من يصفو فكره حين تتكدر الأفكار، ويتسع حلمه حين تضيق الصدور، وتبقى بصيرته نافذةً حين تحجب الرهبة أبصار غيره.
وما أحوج الناس إلى هذا الخلق في كل ميادين الحياة، في القيادة، والقضاء، والتعليم، والإدارة، وتربية الأبناء، كما هو أحوج ما يكون إليه في غرفة الإنعاش. فكم من بيتٍ هدمه انفعال لحظة، وكم من مؤسسةٍ أضاعها قرارٌ وُلِد في عجلة.
إن الحلم ليس ضعفًا، والتريث ليس ترددًا، والسكينة ليست فتورًا.
بل تلك جميعًا ثمار نفسٍ بلغت من النضج أن صارت تُحسن التمييز بين ما يستحق العجلة، وما يستحق التأمل، وبين ما يُعالج بالصوت، وما لا يصلحه إلا الصمت.
ولذلك، كلما مررت بقول الشاعر ذاك.
لم أعد أقرأ بيتًا في الفروسية فحسب، بل أقرأ فلسفةً كاملة في القيادة، وفي الحياة، وفي صناعة الرجال.
وتلك لعمري، هي مروءة الرجال الذين يمشون الهوينى… كما تمشي المخاض البوازل.




