الموظف… بائع الظل

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
يُحكى أنه في شوارع القاهرة القديمة، في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان هناك رجل يمتهن مهنة غريبة عُرفت بـ «بائع الظل»؛ يحمل مظلة كبيرة، ويسير بجوار أحد الأعيان أو الأفندية تحت شمس النهار الحارقة، يظلله بها طوال الطريق مقابل قروش قليلة.
كان المشهد يحمل مفارقة لا تخلو من الوجع؛
رجلٌ تحرق الشمس وجهه وكتفيه، فقط ليمنح غيره مساحة من الظل.
يمشي هو في القيظ… ليستريح الآخر.
يتعب هو… ليصل الآخر مرتاحًا.
ويبقى طوال الطريق ممسكًا بالمظلة، بينما كل ما يراه الناس هو الرجل الذي يسير تحتها.
اختفت تلك المهنة من الشوارع مع تغيّر الزمن، لكن يبدو أن «بائع الظل» لم يختفِ تمامًا… بل غيّر مهنته ومكانه.
ففي بعض بيئات العمل، قد تجد موظفًا يشبهه كثيرًا.
موظفًا يقف خلف الإنجازات أكثر مما يقف أمامها، تبدأ عنده الفكرة، ويضع تفاصيلها، ويرتب خطواتها، ويعالج عثراتها، ثم يخرج المشروع إلى النور، فتتجه الأنظار إلى أسماء أخرى.
هو من يعرف أين تعطلت المعاملة، وكيف تتحرك.
وهو من يتذكر التفاصيل التي نسيها الجميع.
وهو من يسند زميلًا، ويعلّم آخر، ويغلق فجوة هنا، ويجد حلًا هناك.
وحين تنجح المهمة، يبتسم من آخر الصف وكأن شيئًا لم يكن.
ذلك هو الموظف بائع الظل.
لا يحمل مظلة من قماش، لكنه يحمل خبرته فوق رؤوس الآخرين.
يمنحهم من معرفته، ويختصر عليهم سنوات من التجربة، ويفتح لهم أبوابًا عرف مفاتيحها بعد تعب طويل. وقد يساعد موظفًا جديدًا حتى يقف، ويدفع بفكرة حتى تنجح، ويتدارك خطأ قبل أن يتحول إلى أزمة.
وربما لا يعرف أحد كم مرة كان وجوده هو السبب في أن تمر الأمور بسلام.
المفارقة أن بعض هؤلاء يصنعون للآخرين مساحات واسعة من النجاح، بينما تضيق مساحة التقدير حولهم.
ليس لأنهم أقل كفاءة، بل لأنهم اعتادوا العمل أكثر من الحديث عنه.
وهنا لا تكمن المشكلة في أن يساعد الموظف غيره؛ فالمعرفة التي لا تُشارك تفقد جزءًا من قيمتها، والعمل المؤسسي الحقيقي لا يقوم على فرد واحد.
المشكلة تبدأ عندما يصبح العطاء اختفاءً، والتعاون تنازلًا دائمًا عن الحق المعنوي، والصمت سببًا لأن يُنسب الجهد إلى غير صاحبه.
فالتواضع لا يعني أن تمحو اسمك من إنجازك.
والإخلاص لا يعني أن يراك الجميع مجرد يدٍ تعمل في الخلف.
والعمل بروح الفريق لا يعني أن يظل بعض أعضاء الفريق في الضوء، بينما يحمل الآخرون المظلة طوال الطريق.
المؤسسات الواعية لا تنتظر موظفها حتى يرفع صوته ليقول: أنا فعلت.
هي تعرفه من أثره.
تعرف من يبادر، ومن يصنع الحلول، ومن ينقل المعرفة، ومن يستطيع الآخرون الاعتماد عليه عندما تتعقد الأمور.
فالاعتراف بالجهد ليس مجاملة، بل جزء من العدالة المؤسسية، والتقدير ليس كلمة زائدة في بيئة العمل؛ أحيانًا يكون السبب الذي يجعل موظفًا مخلصًا يستمر في العطاء بدل أن يتحول صمته يومًا إلى انسحاب.
والموظف نفسه يحتاج أن يتعلم درسًا آخر:
لا تكن بائع ظل طوال العمر.
ساعد، وعلّم، وساند، وافتح الطريق لغيرك… ولكن وثّق عملك، واحفظ أفكارك، وكن حاضرًا في إنجازك دون ضجيج ودون انتقاص من أحد.
فالظهور العادل ليس بحثًا عن الشهرة، وإنما حفظٌ للأثر.
لقد اختفى بائع الظل القديم من شوارع القاهرة منذ زمن، لكن صورته ما زالت تمر أمامنا كل يوم بأشكال مختلفة.
قد يكون موظفًا هادئًا في آخر المكتب.
أو زميلًا يسأله الجميع ولا يذكره أحد.
أو عقلًا يقف خلف مشروع يتصدره غيره.
ولهذا، قبل أن نصفق لمن يقف تحت المظلة، ربما يجدر بنا أن ننظر قليلًا إلى اليد التي تحملها.
فخلف كثير من النجاحات شخصٌ وقف طويلًا تحت الشمس…
كي يصل الآخرون إلى الظل.




