تدشين مشروع «الريم 2» لإعادة توطين الغزال الرملي في موائله الطبيعية بالمضيبي

متابعة ــ ماجد المحرزي ـ المضيبي
دشنت هيئة البيئة بمحافظة شمال الشرقية اليوم مشروع إعادة توطين الغزال الرملي «الريم 2» في ولاية المضيبي تحت رعاية سعادة محمود بن يحيى الذهلي محافظ شمال الشرقية وبحضور سعادة الدكتور عبدالله بن علي العمري رئيس هيئة البيئة وسعادة سعود العولي والي المضيبي إلى جانب عدد من المسؤولين والمختصين والمهتمين بالشأن البيئي والمشايخ والأعيان وأبناء المجتمع المحلي وذلك في خطوة جديدة تعزز الجهود الوطنية لصون التنوع الأحيائي والمحافظة على الأنواع الفطرية وإعادة توطينها في موائلها الطبيعية بما يسهم في استعادة التوازن البيئي وتعزيز استدامة الحياة الفطرية في سلطنة عُمان.

ويستهدف المشروع غزال الريم المعروف علميا باسم Gazella marica وهو من الأنواع المصنفة ضمن الأنواع المعرضة للانقراض ويرتبط نطاق انتشاره الطبيعي في سلطنة عُمان بالربع الخالي ورمال الشرقية ويفضل البيئات الصحراوية المفتوحة.
وقال زهران بن سليمان آل عبدالسلام المدير العام للتنوع الأحيائي والمحميات الطبيعية بهيئة البيئة في كلمة الهيئة إن تدشين المرحلة الثانية من مشروع إعادة توطين غزال الريم يمثل محطة جديدة في مسيرة سلطنة عُمان لحماية الحياة الفطرية وصون تنوعها الأحيائي مؤكدا أن المشروع لا يقتصر على إطلاق الحيوانات إلى البرية وإنما يجسد رؤية وطنية متكاملة تستهدف إعادة الأنواع الفطرية إلى مواطنها الطبيعية واستعادة دورها في النظم البيئية وتعزيز استدامتها باعتبارها جزءا أصيلا من الإرث الطبيعي للسلطنة.
وأوضح أن هيئة البيئة تعمل من خلال منظومة متكاملة لحماية الأنواع الفطرية تبدأ بالحماية والرصد وتمر ببرامج الإكثار والرعاية البيطرية والتأهيل وإجراء الدراسات العلمية وصولا إلى إعادة التوطين في الموائل الطبيعية الملائمة. وأضاف أن مراكز التأهيل والإكثار التابعة للهيئة أسهمت في توفير البيئة المناسبة لإكثار الأنواع والمحافظة على أصولها الوراثية وتأهيلها للانتقال من بيئة الرعاية إلى الحياة البرية بما يعزز فرص نجاح برامج إعادة التوطين وتحقيق أهدافها البيئية بعيدة المدى.
ويأتي مشروع «الريم 2» امتدادا للمرحلة الأولى «الريم 1» التي نفذت في مقشن بمحافظة ظفار وشكلت محطة تأسيسية في برامج إعادة توطين الحياة البرية خارج نطاق المحميات الطبيعية حيث بلغ إجمالي عدد الإطلاقات في تلك المرحلة 62 غزالا وسجلت سبع ولادات برية وهو ما أسهم في توفير خبرة ميدانية وعلمية بنيت عليها المرحلة الثانية من المشروع وتوسيع نطاق تطبيق برامج إعادة التوطين في مواقع جديدة.
وتنتقل التجربة في مرحلتها الثانية إلى محافظة شمال الشرقية من خلال إطلاق نحو 60 غزالا من غزال الريم في بيئة مفتوحة بولاية المضيبي بهدف إعادة النوع إلى أحد نطاقات انتشاره التاريخية وتهيئة الظروف الطبيعية المناسبة لاستقراره وتكاثره وانتشاره بصورة طبيعية خلال السنوات المقبلة. ويكتسب المشروع أهمية إضافية من تنفيذه خارج نطاق المحميات الطبيعية بما يعزز التجارب الوطنية في مجال صون الحياة الفطرية ويفتح المجال أمام تطوير نماذج جديدة لإدارة الأنواع البرية في بيئاتها الطبيعية المفتوحة.
واختير موقع إعادة التوطين في ولاية المضيبي بعد دراسات ومسوح ميدانية تناولت مجموعة من المؤشرات البيئية والطبيعية حيث يمثل الموقع نطاقا تاريخيا لانتشار الغزال الرملي ويتمتع بغطاء نباتي وشجري جيد إلى جانب توفر موارد مياه قريبة وتعاون من الجهات المختصة فضلا عن وجود مجتمع محلي محافظ على إرثه الثقافي والطبيعي وهي عوامل شكلت مجتمعة مرتكزا أساسيا لاختيار الموقع لتنفيذ المرحلة الثانية من المشروع. وتشير خرائط المشروع إلى أن موقع إعادة توطين غزال الريم يقع في نطاق وادي مرير بولاية المضيبي ضمن بيئة تتوافر فيها الخصائص الطبيعية الملائمة لحياة الغزال وحركته واستقراره.
وتخضع عملية إعادة التوطين لمنهجية علمية وميدانية متدرجة تبدأ بمسح موقع التوطين وتحديد القطيع المناسب ثم عزله وإجراء التحصينات اللازمة قبل نقل الحيوانات إلى الموقع ووضعها في حظائر مخصصة ببيئة التوطين تمهيدا للانتقال إلى مرحلتي التعقب والإطلاق. وتهدف هذه الإجراءات إلى منح الحيوانات فرصة للتكيف التدريجي مع الموقع الجديد والتأكد من جاهزيتها الصحية والسلوكية قبل إطلاقها في البيئة الطبيعية بما يسهم في رفع فرص نجاح المشروع والحد من المخاطر التي قد تواجه القطيع خلال الفترة الأولى من إعادة التوطين.
وتعتمد هيئة البيئة في متابعة المشروع على منظومة متكاملة للرصد والمراقبة تشمل أجهزة التعقب والتتبع التي تتيح متابعة حركة الغزلان وتسجيل البيانات المكانية المرتبطة بها إضافة إلى دوريات المراقبين البيئيين التابعين للهيئة والاستعانة بعشرة متعاونين بيئيين فضلا عن بلاغات المواطنين التي تمثل قناة مساندة للرصد والاستجابة الميدانية عند الحاجة.
وتسهم البيانات المكانية الناتجة عن أجهزة التعقب والتتبع في التعرف على أنماط حركة الحيوانات ومواقع استقرارها والمناطق التي ترتادها إلى جانب تحديد الممرات البرية الطبيعية من خلال خرائط نظم المعلومات الجغرافية بما يوفر قاعدة علمية يمكن الاستفادة منها في إدارة الحياة البرية وصون الأنواع الفطرية خارج نطاق المحميات الطبيعية وتطوير برامج الحماية والمتابعة مستقبلا.
وكانت هيئة البيئة قد سبقت عملية الإطلاق بتنفيذ عدد من البرامج التوعوية والتدريبية وتأهيل المشاركين والمتعاونين في المشروع وتعريفهم بآليات الرصد والمتابعة والتوثيق الميداني وكيفية التعامل مع الحيوانات البرية والإبلاغ عن الحالات والمخاطر التي قد تواجهها بما يعزز دور المجتمع المحلي في حماية المشروع وتحقيق استدامته ويؤسس لشراكة فاعلة بين الجهات الحكومية وأفراد المجتمع في مجال صون الحياة الفطرية.
وتبرز أهمية المشاركة المجتمعية في المرحلة الحالية بصورة خاصة نظرا إلى تنفيذ المشروع في بيئة طبيعية مفتوحة خارج نطاق المحميات حيث يمثل وعي المجتمع المحلي وتعاونه مع الفرق المختصة أحد العناصر الأساسية في نجاح عمليات إعادة التوطين والحد من المخاطر البشرية التي يمكن أن تؤثر في حركة الحيوانات أو استقرارها. كما يعزز المشروع مفهوم المسؤولية المشتركة تجاه حماية الثروات الطبيعية والحفاظ على الأنواع الفطرية باعتبارها مكونا أصيلا من مكونات البيئة العُمانية.
وأكدت الهيئة أن نجاح مشروع «الريم 2» لن يقاس بعدد الحيوانات التي تم إطلاقها فحسب وإنما بمدى قدرتها على البقاء والتأقلم والاستقرار والتكاثر والانتشار بصورة طبيعية خلال السنوات المقبلة مع استمرار الرصد والتقييم العلمي والمتابعة الميدانية للقطيع ومراقبة المؤشرات الصحية والسلوكية وتوثيق البيانات التي تساعد المختصين في تقييم نتائج المشروع وتطوير مراحله المستقبلية.
وتتطلع هيئة البيئة من خلال المشروع إلى تحقيق مجموعة من النتائج بعيدة المدى من بينها تكوين قاعدة من البيانات المكانية التي تدعم إدارة الحياة البرية وتحديد الممرات الطبيعية المناسبة لحركتها وتعزيز فرص السياحة البيئية المرتبطة بالموقع إلى جانب المساهمة في تحسين مؤشر الأداء البيئي لسلطنة عُمان بما يعكس الأبعاد البيئية والعلمية والتنموية التي تستهدفها برامج إعادة توطين الحياة الفطرية.
وتضمن حفل التدشين عرض مادة مرئية حول التنوع الأحيائي في سلطنة عُمان إلى جانب عرض مرئي عن مشروع «الريم 2» تناول مراحل المشروع ومنهجية إعادة التوطين وموقع الإطلاق وآليات مراقبة الحياة البرية ووسائل التتبع والرصد الميداني كما جرى تكريم أعضاء فريق المشروع تقديرا لجهودهم قبل تدشين عملية الإطلاق وزيارة المعرض المصاحب.
ويعكس المشروع توجها وطنيا نحو توسيع برامج إعادة توطين الأنواع الفطرية خارج نطاق المحميات الطبيعية وتعزيز التكامل بين المعرفة العلمية والعمل الميداني والمشاركة المجتمعية بما يسهم في استعادة الأنواع إلى مواطنها الطبيعية والمحافظة على التنوع الأحيائي وترسيخ الوعي بأهمية حماية الحياة البرية وموائلها وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.




