Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

هل نُعلّم أبناءنا كيف يبحثون عن وظيفة… أم كيف يصنعون فرصة؟

أشواق سليمان قاسم ـ  رائدة أعمال ومؤسسة مجتمع علم الرقمي

أشواق سليمان قاسم ـ  رائدة أعمال ومؤسسة مجتمع علم الرقمي

ماذا لو قضى الطالب اثني عشر عامًا في التعليم، ثم سنوات أخرى في الجامعة، وتخرج وهو يعرف كيف يجتاز الاختبارات، لكنه لا يعرف كيف يحوّل فكرة إلى مشروع، أو مهارة إلى مصدر دخل، أو مشكلة إلى فرصة اقتصادية؟

هل يعني ذلك أنه لم يتعلم بما يكفي؟

أم أننا بحاجة إلى إعادة النظر في نوع المهارات التي نمنحها لأبنائنا قبل أن يغادروا مقاعد الدراسة؟

هذا السؤال لا يقل أهمية عن الحديث عن الذكاء الاصطناعي أو التحول الرقمي أو مستقبل الوظائف .

فالعالم لا يتغير في طبيعة المهن وحدها، بل في الطريقة التي تُخلق بها الفرص الاقتصادية نفسها.

ومن هنا أرى أن أحد أهم التحولات التي يحتاج إليها التعليم اليوم هو الانتقال من إعداد الطالب للبحث عن فرصة فقط، إلى تمكينه من امتلاك المهارات التي تساعده على صناعة الفرص أيضًا.

هل أصبح الحصول على الشهادة هو الهدف النهائي؟

لسنوات طويلة، ارتبط النجاح التعليمي في أذهان كثيرين بالحصول على درجات مرتفعة، ثم الالتحاق بتخصص جامعي، ثم العثور على وظيفة مناسبة.

ولا شك أن الشهادة العلمية والمؤهلات المهنية تظل عناصر مهمة لبناء المستقبل.

لكن الشهادة وحدها لا تكفي دائمًا.

فقد يمتلك الخريج معرفة أكاديمية جيدة، لكنه يفتقر إلى مهارات التواصل، أو حل المشكلات، أو إدارة الوقت، أو اتخاذ القرار، أو التعامل مع التقنيات الحديثة.

وقد يمتلك شاب موهبة استثنائية في التصميم أو البرمجة أو صناعة المحتوى أو البحث العلمي، لكنه لا يعرف كيف يحول هذه الموهبة إلى منتج أو خدمة يحتاج إليها الآخرون.

وهنا أعتقد أن التعليم يجب ألا يكتفي بالسؤال:

ماذا يعرف الطالب؟

بل يجب أن يضيف إليه: ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرفه؟

فالقيمة الحقيقية للمعرفة لا تظهر في القدرة على استرجاعها فقط، وإنما في القدرة على توظيفها.

من ثقافة انتظار الفرصة إلى ثقافة صناعتها

لا أقصد بصناعة الفرص أن يصبح جميع الطلاب رواد أعمال أو أن يتخلى الشباب عن الوظائف.

فالاقتصاد يحتاج إلى المعلم والطبيب والمهندس والباحث والموظف والمتخصص، كما يحتاج إلى رائد الأعمال.

لكنني أرى أن امتلاك العقلية الريادية أصبح مهمًا في مختلف المجالات.

فالموظف الذي يبتكر طريقة لتحسين العمل يمارس نوعًا من المبادرة.

والمعلم الذي يطور أداة تعليمية تعالج مشكلة لدى طلابه يمارس التفكير الريادي.

والطالب الذي يكتشف احتياجًا في مجتمعه ويصمم حلًا قابلًا للتطبيق يبدأ رحلة الابتكار.

ريادة الأعمال ليست مجرد تأسيس شركة، بل طريقة تفكير تبدأ بملاحظة المشكلة وتنتهي بمحاولة صناعة قيمة.

ولهذا فإن تعليم المهارات الريادية لا يعني دفع الجميع إلى التجارة، بل منحهم القدرة على المبادرة والابتكار وتحمل المسؤولية.

لماذا يجب أن تبدأ ريادة الأعمال من المدرسة؟

من خلال تجربتي في التعليم، أدركت أن الطالب يمتلك قدرات قد لا تكشفها الاختبارات التقليدية.

هناك طالب بارع في تحليل المشكلات، وآخر يمتلك قدرة على القيادة، وثالث مبدع في التصميم، ورابع يستطيع الإقناع، وخامس لديه موهبة تقنية.

لكن السؤال هو: هل نتيح لهؤلاء الطلاب فرصًا كافية لاكتشاف هذه القدرات وتطويرها؟

أعتقد أن المدرسة يمكن أن تصبح بيئة أكثر تأثيرًا عندما تمنح الطالب مساحة للتجريب والعمل الجماعي وتطوير الأفكار.

تخيل أن يُطلب من مجموعة من الطلاب تحديد مشكلة حقيقية في مدرستهم أو مجتمعهم، ثم البحث عن أسبابها، واقتراح حلول لها، وبناء نموذج أولي، واختباره مع المستفيدين.

خلال هذه التجربة سيتعلمون البحث، والتخطيط، والتواصل، وإدارة الموارد، وتحليل النتائج، والتعامل مع الإخفاق.

وهذه مهارات لا ترتبط بمشروع تجاري واحد، بل ترافق الإنسان طوال حياته.

فالطالب الذي يتعلم كيف يحل مشكلة اليوم، قد يصبح الشخص الذي يصنع فرصة اقتصادية غدًا.

ماذا تقول الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال؟

تقدم الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة لعام 2026، الصادرة عن الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت»، مؤشرات تستحق التأمل.

فقد حددت الاستراتيجية مستهدفًا يتمثل في الوصول بالمملكة إلى المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر امتلاك المهارات والمعرفة الريادية بحلول عام 2030.

كما أظهرت نتائج تقييم الوضع الراهن أن 61% يرون الخوف من الفشل عائقًا أمام بدء مشروع ريادي.

وتعرض الوثيقة مؤشر تعليم ريادة الأعمال في التعليم العام عند 5.1 من 10، وفي التعليم الجامعي عند 5.9 من 10.

هذه الأرقام لا تعني أن التعليم السعودي يفتقر إلى المبادرات الريادية، لكنها تشير إلى وجود مساحة لتطوير المهارات والثقافة المرتبطة بريادة الأعمال.

وهنا أرى أن التحدي ليس مجرد زيادة عدد البرامج التي تحمل اسم «ريادة الأعمال»، بل قياس ما يتعلمه الطلاب منها.

هل أصبح الطالب أكثر قدرة على تحديد المشكلات؟

هل يستطيع دراسة احتياج المستفيد؟

هل يعرف كيف يختبر فكرته؟

هل تعلم أن الإخفاق في تجربة لا يعني نهاية قدرته على النجاح؟

هذه هي النتائج التي أعتقد أننا بحاجة إلى الاهتمام بها.

الذكاء الاصطناعي… فرصة لصناعة جيل أكثر ابتكارًا

أصبح الذكاء الاصطناعي يتيح للطلاب والمعلمين إمكانات لم تكن متاحة بهذه السهولة من قبل.

يمكن للطالب استخدامه للمساعدة في البحث، وتنظيم الأفكار، وتحليل المعلومات، وتطوير النماذج الأولية، وتعلم مهارات جديدة.

لكنني لا أرى أن مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي يمثل إنجازًا تعليميًا.

فإذا استخدمه الطالب للحصول على إجابة جاهزة دون فهم، فقد نكون اختصرنا وقت المهمة دون أن نطور قدرته على التفكير.

أما إذا استخدمه لفهم مشكلة، ومقارنة حلول، وتحليل نتائج، وتطوير فكرة قابلة للاختبار، فإننا نقترب من توظيف أكثر قيمة لهذه التقنية.

الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يفكر بدلًا من الطالب، بل أن يساعد الطالب على التفكير بصورة أعمق.

ولهذا أعتقد أن مهارات المستقبل لا تقتصر على معرفة كيفية استخدام الأدوات الذكية، وإنما تشمل القدرة على تقييم مخرجاتها، والتحقق من دقتها، واتخاذ القرارات بصورة مسؤولة.

المجتمعات الرقمية… حين لا يتعلم الطالب وحده

في مقالاتي السابقة تناولت أهمية المجتمعات الرقمية، وقدرتها على جمع الأشخاص حول الاهتمامات والأهداف المشتركة.

وأرى أن هذه المجتمعات يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تنمية المهارات الريادية.

فقد يمتلك الطالب فكرة، لكنه يحتاج إلى شخص يساعده في تطويرها.

وقد تمتلك الطالبة مهارة في التصميم، لكنها تحتاج إلى زميلة تجيد البرمجة.

وقد يمتلك المعلم خبرة في مجال الابتكار، لكنه يحتاج

إلى مجتمع يتيح له مشاركة هذه الخبرة مع الآخرين.

وهنا يمكن أن تنشأ بيئات رقمية تجمع الطلاب والمعلمين والخبراء ورواد الأعمال والمؤسسات، وتتيح لهم تبادل المعرفة والعمل على مشروعات مشتركة.

فالطالب لا يحتاج دائمًا إلى محتوى تعليمي إضافي، بقدر ما قد يحتاج إلى الإنسان المناسب الذي يساعده على تحويل ما تعلمه إلى تطبيق عملي.

وهذه إحدى الأفكار التي تقوم عليها رؤيتي لمشروع «مجتمع علم الرقمي»، الذي نعمل على تطويره لبناء بيئة تعليمية قائمة على التفاعل وتبادل الخبرات وربط أصحاب الاهتمامات المشتركة.

فالهدف ليس أن نضيف منصة أخرى إلى حياة الطالب، وإنما أن نفتح أمامه مجالًا أوسع للتعلم والمشاركة واكتشاف الفرص.

هل نقيس النجاح بالدرجات فقط؟

أعتقد أن الدرجات مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تختصر قدرات الإنسان.

فقد يحصل طالب على درجة مرتفعة في اختبار، لكنه يجد صعوبة في العمل ضمن فريق.

وقد يحقق آخر نتيجة متوسطة، لكنه يمتلك قدرة متميزة على الابتكار أو القيادة أو حل المشكلات.

ولهذا فإن التعليم الذي يستعد للمستقبل يحتاج إلى أدوات متنوعة لتقدير قدرات الطلاب.

نحتاج إلى الاهتمام بالمشروعات،

والتجارب العملية، والبحث، والعمل التعاوني، والمهارات الرقمية، والقدرة على عرض الأفكار والدفاع عنها.

كما نحتاج إلى أن نمنح الطالب فرصة للتعلم من الخطأ، بدل أن تصبح كل تجربة غير ناجحة سببًا للخوف من المحاولة التالية.

فإذا أردنا بناء جيل قادر على المبادرة، فلا بد أن نعلمه أن التجريب المنضبط جزء من التعلم، وأن الإخفاق ليس نقيض النجاح دائمًا، بل قد يكون مصدرًا لفهم أعمق.

من التعليم إلى الاقتصاد الوطني

ترتبط هذه الرؤية بمستقبل الاقتصاد السعودي، الذي يتجه ضمن رؤية السعودية 2030 إلى تنويع مصادر النمو، وتنمية القدرات البشرية، وتعزيز الابتكار والتنافسية.

فالاقتصاد الذي يريد شركات مبتكرة يحتاج إلى أشخاص يمتلكون مهارات الابتكار.

والاقتصاد الذي يريد منشآت قادرة على النمو يحتاج إلى رواد أعمال يفهمون السوق والبيانات والتقنية والإدارة.

والاقتصاد الذي يريد رفع الإنتاجية يحتاج إلى موظفين قادرين على التفكير والتحسين وحل المشكلات.

ومن هنا فإن الاستثمار في التعليم الريادي لا ينبغي النظر إليه باعتباره نشاطًا إضافيًا داخل المدرسة أو الجامعة، بل جزءًا من بناء القدرات البشرية التي يحتاج إليها الاقتصاد.

لكن هذا التحول يتطلب تكاملًا بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص ورواد الأعمال والجهات الداعمة، حتى تتحول المهارات التي يتعلمها الطالب إلى تجارب وفرص واقعية.

ماذا لو غيّرنا السؤال الذي نطرحه على أبنائنا؟

اعتدنا أن نسأل أبناءنا منذ سنواتهم الأولى:

ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟

طبيبًا؟ مهندسًا؟ معلمًا؟ مبرمجًا؟

وهي أسئلة طبيعية تعكس اهتمامنا بمستقبلهم.

لكنني أتمنى أن نضيف إليها سؤالًا آخر:

ما المشكلة التي تتمنى أن تحلها عندما تكبر؟

فهذا السؤال لا يحصر طموح الطالب في مسمى وظيفي، بل يفتح أمامه مساحة للتفكير في الأثر الذي يستطيع أن يتركه.

قد يختار أن يصبح طبيبًا يطور خدمة صحية مبتكرة.

أو معلمًا يصمم طريقة جديدة للتعلم.

أو مهندسًا يبتكر حلًا لمشكلة بيئية.

أو رائد أعمال يؤسس مشروعًا يوفر فرص عمل للآخرين.

المهم ألا يتوقف طموحه عند الحصول على فرصة، بل أن يمتلك القدرة على المساهمة في صناعتها.

فالتعليم الذي يصنع المستقبل ليس الذي يعلّم أبناءنا كيف يجيبون عن أسئلة الأمس فقط، بل الذي يمنحهم القدرة على طرح أسئلة الغد وصناعة حلولها.

ولهذا أؤمن بأننا لا نحتاج إلى أن نُعلّم أبناءنا كيف يبحثون عن وظيفة فحسب، بل كيف يمتلكون المعرفة والمهارة والشجاعة التي تجعلهم قادرين على صناعة الفرص، وإضافة القيمة، والمشاركة في بناء اقتصاد المستقبل.

⸻

المصدر الإحصائي: الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» – الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، 2026.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬