مقالات

حين يلتقي العمران

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

في زمنٍ تتسابق فيه الدول لبناء أحدث المستشفيات، وتطوير برامج الرعاية، وتوفير أفضل الخدمات، جاءت فكرة بسيطة لتُثبت أن الإنسان قد يكون أعظم علاجٍ للإنسان.

في بريطانيا، أُطلقت تجربة جمعت بين دور رعاية كبار السن ودور رعاية الأطفال، بحيث يقضي الطرفان ساعاتٍ يومية معًا في أنشطة مشتركة؛ يقرؤون القصص، ويرسمون، ويغنون، ويلعبون، ويتحدثون، ويحتفلون بالمناسبات. كانت الفكرة تبدو في بدايتها غريبة، لكن نتائجها تجاوزت كل التوقعات.

لم يكن المستفيد كبار السن وحدهم، ولم يكن الأطفال وحدهم أيضًا… بل انتصر الإنسان في الطرفين.

لاحظ القائمون على التجربة أن كبار السن أصبحوا أكثر سعادة، وأكثر رغبة في المشاركة، وانخفض لديهم الشعور بالعزلة والاكتئاب، وعادت الابتسامة إلى وجوهٍ أرهقتها سنوات الصمت. كثير منهم وجد في الأطفال أحفادًا لم ينجبهم، أو أحفادًا أبعدتهم ظروف الحياة، فعادت إليهم مشاعر الدفء والانتماء، وشعروا أن للحياة بقية تستحق أن تُعاش.

أما الأطفال، فقد وجدوا في أولئك المسنين أجدادًا يفيضون بالحنان والخبرة والقصص. تعلموا منهم الصبر، والرحمة، والاحترام، والإنصات، وهي قيم لا تُلقَّن في المناهج، بل تُغرس بالمواقف، وتعيش في الذاكرة أكثر من أي درس.

هذه التجربة لم تعتمد على أجهزة متطورة، ولا على ميزانيات هائلة، بل قامت على إعادة اكتشاف حقيقة بسيطة نسيناها وسط زحام الحياة: أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل بالمحبة أيضًا.

لقد أثبتت أن الوحدة ليست قدرًا لكبار السن، وأن اليُتم ليس مجرد فقدان والدين، بل فقدان حضنٍ دافئ، ويدٍ حانية، وكلمةٍ صادقة. وعندما التقى الطرفان، وجد كل منهما ما كان ينقصه في الآخر.

كم من دارٍ للمسنين تمتلئ بالغرف الجميلة، لكنها تخلو من الضحكات؟

وكم من طفلٍ يملك كل الألعاب، لكنه يفتقد شخصًا يجلس معه، يسمعه، ويحدثه عن الحياة؟

ربما لا نحتاج دائمًا إلى بناء مؤسسات جديدة، بل إلى إعادة تصميم أفكارنا. أن نجعل دور الرعاية أماكن للحياة، لا أماكن لانتظار الأيام. وأن نؤمن أن التواصل بين الأجيال ليس ترفًا اجتماعيًا، بل حاجة نفسية وتربوية وإنسانية.

مجتمعاتنا العربية أولى بمثل هذه المبادرات، فديننا وثقافتنا قامت على برّ الكبير، ورحمة الصغير، وصلة الأرحام، والتكافل بين أفراد المجتمع. ولو أُحسن استثمار هذه القيم في برامج عملية، لكان أثرها أعظم من آلاف الحملات والشعارات.

فبعض الأفكار لا تُقاس بتكلفتها، بل بعدد القلوب التي تُحييها.

وربما كانت أعظم هدية يمكن أن نقدمها لإنسانٍ أنهكته السنوات، أو لطفلٍ أثقلته ظروف الحياة، هي أن نجعل كلاً منهما يشعر بأن له مكانًا في قلب الآخر.

فالقلوب، مهما اختلفت أعمار أصحابها، لا تبحث إلا عن شيء واحد… أن تجد من يحبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬