مقالات

عامٌ انطوت فيه صفحات… ووُلِدت فيه أخرى

 بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

 بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

عامٌ آخر يمضي من أعمارنا، يحمل في طياته قصصًا لم تُروَ كاملة، ومشاعر لم تُفهم إلا بعد أن هدأت العواصف. عامٌ انطوت فيه صفحات، ووُلِدت فيه أخرى، تجددت فيه علاقات، وماتت أخرى بصمت، دون وداعٍ يليق بها، أو تفسيرٍ يشفي القلب من أسئلته.

وفي نهاية كل عام، نقول إننا كبرنا عامًا، وإن أعمارنا ازدادت رقمًا جديدًا، لكن الحقيقة التي نغفل عنها أن أعمارنا لا تزيد، بل تنقص، وأن العمر يمضي في الاتجاه الذي لا يعود منه أحد. فكل يومٍ نعيشه ليس إضافة إلى الحياة بقدر ما هو جزءٌ يُقتطع منها، حتى نبلغ المحطة الأخيرة التي كتبها الله لكل إنسان.

ومع ذلك، لا يُقاس العمر بعدد السنوات التي عبرناها، بل بعدد اللحظات التي عشناها بصدق، والقلوب التي أحببناها بإخلاص، والآثار الجميلة التي تركناها خلفنا. فقد يعيش إنسان أعوامًا طويلة دون أن يحيا حقًا، وقد يملأ آخر سنوات قليلة بالحياة والمعنى والأثر.

هذا العام علّمنا أن الأشياء لا تبقى كما هي. الوجوه تتغير، والقلوب تتبدل، والأماكن التي كانت تعج بالدفء قد تصبح غريبة، وأشخاصًا ظننا أنهم باقون إلى الأبد أصبحوا مجرد ذكرى. أدركنا أن الحياة ليست وعدًا بالثبات، بل رحلة مستمرة من الفقد واللقاء، من النهاية والبداية، من الرحيل والعودة إلى الذات.

كم من حلم حملناه في بدايته بحماس، ثم اكتشفنا أن بعض الأحلام خُلقت لتعلّمنا لا لتتحقق. وكم من باب أغلق في وجوهنا فبكينا عنده طويلًا، ثم اكتشفنا بعد زمن أن الله أغلقه رحمةً بنا، لا حرمانًا لنا.

في هذا العام تعلمنا أن بعض الخسارات كانت نجاة، وأن بعض العلاقات انتهت لأنها استنفدت رسالتها في حياتنا. فليس كل من يدخل حياتنا خُلق ليبقى، فبعضهم يأتي ليعلّمنا درسًا، وبعضهم يأتي ليكشف لنا أنفسنا، وبعضهم يأتي ليذكرنا بقيمة من يبقى.

لقد تغيّر معنى القوة بداخلنا. لم تعد القوة أن نتحمل كل شيء، بل أن نعرف متى نتوقف. ولم يعد النجاح أن نسبق الجميع، بل أن نحافظ على أرواحنا من الانطفاء ونحن نسير في طرق الحياة الطويلة.

ومع مرور الأيام، ندرك أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى المزيد من الإنجازات بقدر حاجته إلى السلام. ذلك السلام الذي يجعله ينام وقلبه خفيف، ويستيقظ دون حربٍ داخلية، ويعيش دون أن يرهقه السعي لإرضاء الجميع.

لقد تعبنا كثيرًا من الركض خلف كل شيء؛ خلف القبول، وخلف الصورة المثالية، وخلف توقعات الآخرين. حتى اكتشفنا أن أجمل ما قد يصل إليه الإنسان هو أن يتصالح مع نفسه، وأن يحبها كما هي، بضعفها وقوتها، بانتصاراتها وانكساراتها.

في هذا العام، ربما لم نُصبح الأشخاص الذين حلمنا أن نكونهم، لكننا بالتأكيد أصبحنا أكثر فهمًا لأنفسنا. عرفنا ما يؤذينا وما يشبهنا، وما يستحق البقاء وما يجب أن نتركه خلفنا. أدركنا أن النضج ليس أن تمتلك كل الإجابات، بل أن تتعلم كيف تتعايش مع الأسئلة.

أريد عامًا أمشي فيه بخفة… أترك ما يستنزفني دون شعور بالذنب، وأقترب مما يمنح قلبي السلام دون خوف. عامًا أختار فيه نفسي دون أن أؤذي أحدًا، وأحفظ قلبي من كل ما يُطفئ نوره.

أريد عامًا أقل ضجيجًا وأكثر عمقًا، أقل ازدحامًا وأكثر طمأنينة. عامًا أتذكر فيه أن الراحة ليست رفاهية، بل حق، وأن الهدوء ليس ضعفًا، بل صورة أخرى من صور الحكمة.

عامًا أكون فيه أكثر صدقًا مع نفسي حين أحزن، وأكثر امتنانًا حين أفرح، وأكثر رحمةً بالآخرين لأن لكل إنسان معركته الخفية التي لا يراها أحد.

عامٌ لا يشبه الماضي، ليس لأنه أفضل بالضرورة، بل لأننا أصبحنا أكثر نض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬