نسبية الخطأ والصواب

بقلم الكاتبه: رجاء الطويل
تعتبر ثنائية الخطأ والصواب المحور الذي يدور حوله الوجود الإنساني.
والغوص في كنهها يكشف مساحة رمادية شاسعة تُعرف بنسبية الأحكام .
إن الناظر في طبيعة البشر يدرك أن الحقيقة نادراً ماتأتي واضحة ًوبسيطة بل هي غالباً ما ترتدي أثواب الثقافة والظرف والزمان فما يراه المرء من قمة الجبل صواباً مطلقاً قد يراه القابع في قاع الوادي خطأ ًجسيماً
يري الفلاسفة النسبيون أن الأحكام الأخلاقية تعتمد على المنظور الإنساني فالفعل الواحد قد يكون خيراً في سياق وشراً في سياق آخر.
لأن العقل البشري بطبيعته المحدودة لا يستطيع الإحاطه بكامل الحقيقة لذا فإن إدراكنا للصواب يبقى ظنياً في كثير من الأحيان مما يوجب علينا التواضع المعرفي فما نراه في الحقيقة هو فقط الذي ينعكس على مرآة عقولنا المحدودة.
يري الفيلسوف – غاستون باشلار – أن تاريخ العلم هو تاريخ أخطاء تم تصحيحها فالفكرة التي نعتبرها اليوم صواباً لم تكن لتولد لولا اصطدامنا بخطأ سابق.
هنا الخطأ ليس سقطة بل هو ضرورة معرفيه وخطوة تمهيدية لابد منها للوصول للحقيقة .وهذا ما يسمي -بتراكمية المعرفة-
في فلسفة هيجل. – النظرة الهيلجية – يتحول الخطأ إلى صواب من خلال الجدل.
تطرح فكرة تعتبر صواب،نقيضها يُظهر ثغرات في هذه الفكرة فتعتبر خطأ.
من خلال الطرح والنقيض يولد فكر جديد يجمع محاسن الإثنين،بهذا المعنى: الخطأ القديم انصهر داخل الصواب الجديد فأصبح جزء من بناء الحقيقة الأكبر وهو ما يسمي – التركيب-.
فيما يري -توماس كون- أن المجتمع العلمي يتبنى نموذج يعتبره الصواب المطلق ومع مرور الزمن تظهر فجوات تثبت خطأ هذا النموذج مما يؤدي إلى ثورة علمية تغير الموازيين.
فما يعتبرهرطقة في زمن غاليليو مثل دوران الأرض أصبح هو الصواب المطلق لاحقاً لأن الوعي الجمعي أعاد تشكيل منظوره. يعني الفكرة تكون صواباً طالما أنها تعمل وتؤدي غرضها في الواقع.
وقد تعتبر فكرة ما خطأ في عصر بدائي لأنها لاتناسب أدواتهم ،لكنها تتحول إلى صواب في عصر اخر حين يمتلك البشر الأدوات والوعي الكافي لتطبيقها والإستفادة منها و هذه وجهة نظر – ويليام جيمس-.
الخطأ والصواب في الفلسفة ليسا جامدين،فالحقيقة كائن حي ينمو و البقاء للأفكار التي تمتلك القدرة علي التكيف والتطور والعقل البشري الذي يتشبث بصواب قديم ويرفض الإعتراف بنسبيته يتحول بمرور الزمن إلى حفرية فكرية لامكان لها في الواقع المعاصر.هذا مايؤكده المفكر مراد وهبه في كتابه – أُفول العقل-.
إذاً فلسفياً الخلاصة هي أن الخطأ هو صواب لم يكتمل بعد والصواب هو خطأ تم تهذيبه وصقله عبر نار التجربة وتغير الأزمنة.
ولتكن نظرتنا الأن لنسبية الخطأ والصواب من منظور ديني
الدين لاينظر إلى تحول الخطأ إلي صواب كتغيير في حكم الله بل كرحمة إلاهيه وتدرج في التشريع وانتقال من ضيق الجهل إلى سعة العلم.
مفهوم النسخ
(ماننسخ من آيه أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)
(البقرة١٠٦ )
مبدأ النسخ حيث يُعمل بحكم معين يعتبر صواباً في وقته ثم يبدل الحكم بحكم آخر يتناسب مع تطور حال الأمة وقوتها وهنا يظهر أن الحق تدرج ليرتقي بالإنسان.
التوبة وتحول السيئة إلى حسنة
الخطأ وهو هنا -المعصية- قد يتحول إلى صواب-طاعة-
ليس التحول فى الفعل بذاته بل في نتيجته وتأثيره على روح الإنسان الذي يخطأ ثم يندم ويصبح خطأه سبباً فى
انكساره وتواضعه بين يدي الله
(إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما) (الفرقان٧٠)
وهو أرقى أشكال تحول الخطأ إلى صواب حيث تغير هنا الجوهر.
ظاهرية الخطأ
قصة موسى مع الخضر هي الدرس الأكبر فى أن العلم البشري المحدود يرى الظاهر خطأ بينما القدر الإلهي يخبئ الصواب. خرق السفينة خطأ لكنه لنجاتها كان هذا هو الصواب.
ومافعلته عن أمري ذلك تأويل مالم تستطع عليه صبراً
(الكهف ٨٢)
حتى الأنبياء في رحلة بحثهم (بمنظور بشري)مروا بمراحل من التساؤل والبحث.
لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين
(الأنعام ٧٧)
ووجدك ضالاً فهدي
(الضحي ٧)
الضلال هنا بمعني البحث أو عدم العلم الذي تحول بفضل الله إلى قمة الصواب والهداية.
قاعدة الضرورات تبيح المحظورات
مثل تحول فعل خاطئ كأكل الميتة إلى فعل صائب بسبب تغير الظرف حفاظاً على النفس .
فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفورٌ رحيم
(البقرة١٧٣ )
ختاماً
إن الحقيقة المطلقة والصواب الخالص هما لله وحده.
وما دون ذلك ظلال تتراقص بين النور و العتمة
فلا تضيق ذرعاً بجهلك و لاتغتر بعلمك ، وادرك ان رأيك صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرك خطأ يحتمل الصواب
فاجعل من عثراتك سلماً ترتقي به الى مراقي الهدى
ومن أخطاءك مشعلاً يضئ دربك للصواب.
المراجع
غاستون باشلار (تكوين الفكر العلمي)
توماس كون (بنية الثورات العلمية)
فردريك هيجل. (فينومينولوجيا الروح)
ويليام جيمس. (الــبـــرغــــمــــاتـــيـــة)




