بعض الرحيل لا يُفسَّر… بل يُوجِع فقط

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
أقسى ما قد يمرّ به الإنسان، ليس أن يخسر شخصًا أحبّه…بل أن يخسره وهو ما زال يراه وطنه الوحيد.أن تستيقظ يومًا وتكتشف أن الشخص الذي كنت تضع قلبك عنده مطمئنًا، أصبح فجأة غريبًا… باردًا… بعيدًا… وكأن كل ذلك الحب الذي كان يملأ روحك لم يكن إلا محطة مؤقتة في حياته.
المؤلم ليس الرحيل وحده،بل الطريقة التي يحدث بها.. حين يتركك أحدهم بعد أن رأى ضعفك، وسمع ارتجاف صوتك، وعرف حجم معاركك الداخلية… ثم يستخدم ظروفك نفسها كذريعة للابتعاد.
كأن تعبك الذي كان يجب أن يجعله أكثر قربًا، أصبح سببًا ليهرب منك.وهنا فقط… يبدأ الانكسار الحقيقي.
لأن الإنسان حين يحب بصدق، لا يرى الشخص الذي أمامه في أيامه الجميلة فقط، بل يحتضنه أكثر في فوضاه، في خوفه، في تعبه، وفي الأوقات التي يصبح فيها هشًا بصورة لا تشبهه.
الحب الحقيقي لا يقول:
“أنت متعب إذًا سأرحل.”
بل يقول:
“أعرف أنك متعب… لذلك سأبقى.”
لكن بعض الناس لا يبحثون عن الحب بقدر ما يبحثون عن الشعور الذي يمنحهم الحب.
فإذا وجدوا دفئًا جديدًا، أو اهتمامًا أسهل، أو مكانًا لا يتطلب منهم صبرًا وتحمّلًا… غادروا وكأن القلوب التي تعلقت بهم لا تنزف بعدهم.
ويتركك بعدها تتساءل: هل كان يحبني فعلًا؟
أم كان يحب النسخة مني حين كنت قوية فقط؟
الإنسان الذي يحبك بصدق، قد يتعب، قد يغضب، قد يضيق، لكنه لا يستبدلك بسهولة.
لا يراك تغرق ثم يبرر لنفسه النجاة وحده.
لأن الحب ليس لحظة شغف عابرة… الحب موقف.
ثبات.
رحمة.
وأمان لا يختفي أول ما تعصف بك الحياة.
ورغم كل هذا الألم…تدرك مع الوقت حقيقة موجعة لكنها مريحة:
أن من رحل لأن الحياة أثقلتك، لم يكن يفكر مالذي سيحدث لك أصلًا من بعده .
فالقلوب الصادقة لا تخاف من الأشخاص المتعبين…
بل تخاف عليهم.
وفي النهاية، لا يؤذيك غيابهم فقط…
بل يؤذيك أنك كنت تراهم بيتًا، بينما كانوا يرونك مرحلة.




