مقالات

ميثم الخزرجي: فلسفة الغياب والنزوح في السرد العراقي المعاصر

د.آمال بوحرب باحثة و ناقدة

د.آمال بوحرب باحثة و ناقدة

في زمن يغرق فيه المجتمع العربي تحت وطأة الاضطرابات والكثرة الإعلامية من واجب أدبي وإعلامي نسلط الضوء على الأقلام الهادفة التي تحول الكتابة إلى فعل فكري يواجه هشاشة الوجود وينتج معنى من فوضى اللامعنى. ميثم الخزرجي القاص والصحفي العراقي من النجف مواليد 1987 نموذجًا لهذه الأقلام حيث يجمع بين تكوين علمي في الذكاء الاصطناعي ووعي أدبي فلسفي يعالج جروح الإنسان العربي في زمن الغياب والنزوح مستعيدًا مقولة هيوم: “لا يمكن أن يحدث أو يظهر إلى عالم الوجود شيء من غير سبب” وكأن السرد عنده بحث دائم عن سبب الغياب الإلهي والإنساني في عالم فقد يقينه.


يأتي الاهتمام بهذه الأقلام من ضرورة أدبية وإعلامية في مجتمع يعج بالكثرة الكتابية غير الهادفة حيث يصبح السرد أداة للتأمل الفلسفي في حدود الوجود. الخزرجي بماجستيره في علوم الحاسوب يقارن بين الخوارزمية العلمية والبناء السردي محولًا القصة إلى مستطيل فكري ينتج إمكانيات من الفوضى كما في فلسفة هيدغر للدازاين الذي يتحقق في مواجهة العدم. هذا الهدف يجعل أقلامه شهادة على الإنسانية في المجتمع العربي الذي يحتاج إلى أصوات تتجاوز الحدث اليومي لتعالج الخراب الوجودي.

في بريد الآلهة 2019 الفائز بمسابقة الاتحاد العام للأدباء العراقيين يستحضر نيتشه في فكرة موت الإله حيث يصبح البريد رسالة من غيب المتعالي إلى الإنسان المحنون بالشك الديكارتي. القصص هنا تقارن بين الفينومين الواقع المنتج والنومين الغائب المطلق مبينة كيف ينتج الإنسان آلهته ليبرر الألم اليومي في سياق الحصار العراقي فالسرد فلسفة وحي منحسرة تكشف عن الفراغ الذي يملأه الخيال البشري كبديل عن اليقين الضائع.
ثم النزوح نحو الممكن 2020 يستمد من أرسطو وليفيناس حيث يتحول النزوح من هرب جسدي من الحرب والحصار إلى حركة أخلاقية تفتح الآخر كمجال للمسؤولية. يقلب الخزرجي مفهوم الدوناميس الإمكان ليبين أن الحرية السارتيرية تتحقق في الانتقال من الفعل إلى الممكن مقارنًا بين النزوح النفسي والجغرافي كطريقة لنجاة الوجود من اللامعنى. هنا يصبح السرد حركة تأسيسية تشبه فلسفة ميرلو بونتي في جسد العالم حيث الجسد المنزوح هو الوعي الذي يبني العالم من خلال حركته ويقترب من رؤية هيجل حين قال: “الوعي بالذات يتطلب وجود رغبة والرغبة والوعي بالذات شيء واحد” إذ يتحقق الوعي الذاتي عبر رغبة الاعتراف والحركة الوجودية.
وفي متنزه الغائبين 2024 تبلغ الفلسفة السردية ذروتها بتجسيد الغياب كمكان بيكلوي حيث يصبح المتنزه سجنًا مفتوحًا للذكرى. مستحضرًا دريدا يحول الخزرجي الغائب إلى أثر ينتج الحاضر مقارنًا بين غائبي الحرب وغائب المعنى في الحياة اليومية فالقصة تحليل للخراب الوجودي يتجاوز الحزن الجمالي ليصبح استكشافًا للعدم كمبدأ بناء. ويشبه ذلك مفهوم لاكان للرغبة كرغبة في الشيء المفقود حيث يتحول الغائبون إلى محركات للسرد الذي يحاول استعادتهم

عبر الكلمات.الجدل الهيجلي
يظهر الجدل الهيجلي (أطروحة-نقيض-تركيب) في أعمال ميثم الخزرجي كحركة سردية ديالكتيكية عميقة تُحاكي صراع الروح في فنومينولوجيا الروح حيث يتحول الغياب في بريد الآلهة كيقين متعالٍ منهار أمام الشك الهيومي إلى نقيض حركي في النزوح نحو الممكن يصارع اللامعنى عبر رغبة الوعي الذاتي ليصل في متنزه الغائبين إلى تركيب لامكاني يجعل الغائب أثراً ينتج الحاضر. فالسرد يصبح تاريخاً مطلقاً يتجاوز الألم العراقي نحو تحقق الكينونة كما قال هيجل: “الروح تدرك نفسها كروح من خلال تاريخها” و“التناقض هو المحرك الحقيقي للحركة والحياة” لذلك تبدو شخصيات الخزرجي وكأنها تعيش داخل صراع دائم بين الحضور والغياب وبين الألم والرغبة في النجاة.ولقد احتفل نادي السرد في اتحاد الأدباء العراقيين بمجموعة متنزه الغائبين عام 2025 حيث قدم النقاد د. جاسم الخالدي ورنا صباح وأشواق النعيمي ود. أحمد الظفيري أوراقًا نقدية أشارت إلى تكرار اليوميات في المجموعة وأن العنوان يعكس دائرة مغلقة للحوارات الداخلية المليئة بالرموز التي تؤثر نفسيًا على القارئ عبر الاشتغال على اللاوعي رغم معاناة الشخصيات من اضطرابات نفسية حادة. كما تمحورت المداخلات حول الفضاء العام للمجموعة بتحولاتها الفنية والسردية ومرجعياتها العلمية والفلسفية مما يبرز عمق الاشتغال الفكري في نصوصه. وفي نقد بريد الآلهة وصفها البعض قصصًا مأزومة قلقة تعبر عن واقع المجتمع العراقي خاصة الجنوب حيث تظهر الخرافات والأساطير كدليل على البعد عن العلم والحرية مع انتقاد خفيف لعدم الدهشة وافتقار التفسير الزائد.الألم والغوص في اللاوعي

ألم الكاتب عند الخزرجي غوص عميق في طبقات اللاوعي ينبع من تجربته الشخصية التي وصفها بمخاض حيث يعود إلى بيته كمكتبة فخمة شكلت تكوينه الثقافي والشعري والفكري. يدخل المشهد الأدبي باحثًا عن الحقيقة وسكب كل معرفته بالفلسفة والنقد والثقافة والذكاء الاصطناعي في قصصه مما يجعل الألم وجوديًا يعكس معاناة الشخصيات من اضطرابات نفسية حادة وتكرار يوميات تشكل دائرة مغلقة. هذا الغوص يشبه حفر الناقد في أعماله كبريد الآلهة والنزوح نحو الممكن حيث يجد تجليات الانبعاث الإنسي والأنا وسط الألم الذي يحول السرد إلى استكشاف للجرح الجماعي في المجتمع العراقي.

اما البعد الوجودي في كتاباته يتجلى في الاغتراب والسؤال الحائر عن الكينونة كما في بريد الآلهة حيث يرتحل الراوي مغتربًا في عالمه المقهور يبحث عن قدسية الرسالة والمحتوى وسط الفراغ الإلهي والاجتماعي. في متنزه الغائبين يصبح الغياب مكانًا لمخاض الوجود حيث العنوان جملة اسمية تسأل عن سبب الغياب وتغوص في الأبعاد السايكولوجية للأنا المنفية مما يعكس سعيًا هيدغريًا نحو الدازاين في مواجهة العدم. كما في النزوح نحو الممكن تتحول الحركة الوجودية من الفعلي إلى الممكن لتعبر عن هموم الناس وواقعهم اليومي دون قيود مما يجعل السرد شهادة على نجاة الوجود من اللامعنى عبر الغوص في الألم والرموز.

ولعل علاقة الخزرجي مع هيوم عند قوله «لا يمكن أن يحدث أو يظهر إلى عالم الوجود شيء من غير سبب» تمثل نقطة التحوّل الفلسفي الحاسم في تجربته حيث يتحوّل شك هيوم السببي من مجرّد إبستمولوجيا إلى أطروحة سردية في بريد الآلهة تُفتح أبواب الغياب الإلهي والإنساني فالبريد ليس مجرد رسائل بل استعارة للبحث عن السببية المفقودة في فراغ الحصار العراقي محولًا السؤال الهيومي إلى صراع وجودي يُنجز نفسه في حركة النزوح الهيجلية .
أخيرا يجوز القول إن الكتابة عند ميثم الخزرجي تحول النزوح إلى إمكان والغياب إلى أثر بناء والألم إلى وعي ديالكتيكي. في زمن الخراب العراقي والعربي يقدم الخزرجي سردًا فلسفيًا يعيد بناء المعنى ويشهد على قدرة الإنسان على مواجهة العدم ويحول الكتابة إلى فعل وجودي مقاوم يفتح أفقًا للنجاة النسبية وكما شكك هيوم في كل يقين سببي يقدم الخزرجي الكتابة كعادة وجودية جديدة قادرة على مواجهة اللامعنى دون أوهام اليقين المطلق متسائلًا إلى أي حد تنجينا الكتابة من الحياة نفسها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬