مقالات

حين يتبلّد القلب… لا يعني أنه انتهى

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

لم نعد نشعر كما كنا…

هذه ليست جملة عابرة، بل اعتراف هادئ يأتي بعد ضجيج طويل.

لم يعد شيء يدهشنا، لا الفرح يملأ قلوبنا كما كان، ولا الحزن يكسرنا كما كان يفعل. نقف في المنتصف، في منطقة باردة من المشاعر، نراقب الحياة أكثر مما نعيشها.

لكن الحقيقة التي لا ننتبه لها سريعًا… أننا لم نخسر شعورنا، بل أعدنا تشكيله.

حين استنزفتنا العلاقات… بدأ الوعي

في البداية، كنا نمنح بلا حساب.

نحب باندفاع، نثق بسرعة، ونظن أن النقاء الذي فينا يكفي ليكون موجودًا في الآخرين.

لكن الحياة لم تكن رحيمة بهذا التصور.

مررنا بعلاقات أخذت منا أكثر مما أعطتنا،

استنزفت مشاعرنا، استهلكت صبرنا، وعلّمتنا أن بعض القلوب لا ترى ما نقدّمه، بل تعتاد عليه ثم تتجاوزه.

لم يكن الألم مجرد شعور عابر،

كان إعادة تشكيل داخلية… كأن الحياة تقول لنا:

“لن تنجوا بقلوبكم القديمة.”

سقوط الأقنعة… لحظة لا تُنسى

أصعب ما مررنا به… لم يكن الفقد،

بل الانكشاف.

أن ترى الحقيقة فجأة،

أن تدرك أن من كنت تراه ملاذًا… كان اختبارًا،

أن تكتشف أن الكلمات الجميلة كانت غطاءً لفراغ داخلي أو مصلحة مؤقتة.

في تلك اللحظة، لا ينكسر القلب فقط…

بل ينكسر التصوّر.

ومن بعدها، لا يعود العالم كما كان.

لسنا باردين… نحن فقط لا ننخدع

يقولون: تغيّرتم.

لم تعودوا كما كنتم.

نعم… لم نعد.

لم نعد نبكي على كل شيء، لأننا بكينا بما يكفي.

لم نعد نتعلّق بسهولة، لأننا تعلّمنا أن التعلّق دون وعي… وجع مؤجل.

لم نعد نندفع، لأننا رأينا كيف تنتهي الطرق التي تبدأ بلا وعي.

لسنا قساة،

نحن فقط أصبحنا نعرف أين نضع قلوبنا.

معارك صامتة… لا يراها أحد

داخل كل شخص يبدو “بخير”،

حرب لم تُروَ.

ليالٍ طويلة من التفكير،

صراعات بين القلب والعقل،

محاولات متكررة للتماسك… رغم الانهيار.

كنا نضحك أمام الجميع،

وننهار حين نُغلق الأبواب.

كنا نواسي الآخرين،

ولا نجد من يواسي داخلنا.

وهنا… وُلدت قوتنا.

ليس لأننا أردنا،

بل لأننا لم نجد خيارًا آخر.

مدرسة الحياة… قاسية لكنها صادقة

الحياة لا تعطي دروسها بلطف،

بل تكتبها على قلوبنا.

كل تجربة كانت رسالة،

كل خذلان كان كشفًا،

كل ألم… كان إعادة بناء.

تعلمنا أن:

النية الطيبة لا تكفي،

والحب وحده لا يُنقذ،

والقرب لا يعني الأمان.

وتعلمنا أيضًا… أن النجاة ليست في الهروب،

بل في الفهم.

إعادة بناء الذات… بصمت

لم نعد نُعلن تغيّرنا،

بل نعيشه.

أصبحنا نختار بعناية،

نثق ببطء،

نقترب حين نشعر بالأمان… وننسحب دون ضجيج حين نفقده.

لم نعد نفس الأشخاص،

لأننا تعبنا من ترميم أنفسنا في كل مرة.

فقررنا أن نحمي ما تبقّى.

أما الدرس الأخير…

هناك شيء واحد… لن نستطيع شرحه مهما تعلّمنا.

درس لا يُحكى، ولا يُنقل، ولا يُدرّس.

سكَرات الموت…

هي الحقيقة الوحيدة التي سنفهمها وحدنا،

حين لا يبقى وقت للكلمات.

الخلاصة… نحن لم نتبلّد، نحن نجونا

نعم… تغيّرنا.

لكن ليس لأننا فقدنا القدرة على الشعور،

بل لأننا فقدنا الرغبة في الألم المتكرر.

نحن الآن أكثر هدوءًا…

لكن داخلنا تاريخ طويل من الصراخ.

أكثر صمتًا…

لكن فينا حكايات لا تُروى.

وأكثر وعيًا…

لأننا دفعنا ثمن هذا الوعي من قلوبنا.

حين لا تُرهقك العلاقات… يكون القلب في أمان

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬