مقالات

حدود التجربة.. حين تضيق نافذة الرؤية

بقلم الكاتبة : حنان باناصر 

بقلم الكاتبة : حنان باناصر 

نلتقي في حياتنا بأشخاص يرفضون فكرة جديدة، أو يستبعدون احتمالًا مختلفًا، أو يسخرون من إنجاز لم يسبق لهم أن عرفوه. وليس السبب دائمًا نقصًا في الذكاء أو ضعفًا في الفهم، بل لأنهم ينظرون إلى العالم من خلال حدود تجاربهم الخاصة، فيرون ما اعتادوا رؤيته، ويستبعدون ما لم تألفه خبراتهم.

فالتجربة، على أهميتها، ليست الحقيقة الكاملة، وإنما نافذة نطل منها على الحياة. وكلما كانت هذه النافذة ضيقة، ضاقت معها رؤيتنا للناس والأفكار والفرص. وما نعدّه مستحيلًا قد يكون ممكنًا في بيئة أخرى، وما نراه غير منطقي قد يكون واقعًا عاشه غيرنا واختبره بنجاح.

تكمن المشكلة حين تتحول التجربة الشخصية إلى مقياس مطلق نحاكم به كل شيء. فكم من فكرة رائدة قوبلت بالرفض لأنها لم تنسجم مع المألوف، وكم من مشروع ناجح أُحبط في بداياته لأن أحدهم لم يرَ فيه إلا حدود ما عرفه سابقًا. فالعقل البشري يميل بطبيعته إلى ما اعتاده، ويشعر بالأمان داخل دائرة المألوف، لكنه أحيانًا يدفع ثمن هذا الأمان بفقدان فرص النمو والاكتشاف.

إن كثيرًا من الخلافات بين الأفراد، بل وحتى بين الأجيال، لا تنشأ من اختلاف القيم بقدر ما تنشأ من اختلاف التجارب. فكل جيل يعيش ظروفًا مختلفة، ويواجه تحديات مغايرة، ويصنع فهمه الخاص للحياة. لذلك فإن محاولة تفسير الحاضر بأدوات الماضي وحدها قد تقود إلى أحكام غير منصفة وإلى فجوة في الفهم والتواصل.

وفي بيئات العمل والقيادة تتجلى هذه القضية بوضوح أكبر. فالقائد الذي يعتمد فقط على نجاحاته السابقة قد يجد نفسه عاجزًا عن التعامل مع متغيرات جديدة لم يعهدها من قبل. أما القائد الواعي فيدرك أن الخبرة الحقيقية لا تعني امتلاك جميع الإجابات، بل امتلاك القدرة على طرح أسئلة جديدة، والاستماع لوجهات نظر مختلفة، والتعلم المستمر مهما بلغت سنوات الخبرة.

ولعل أخطر ما تفعله حدود التجربة أنها تخلق نوعًا من التحيز غير المرئي؛ إذ يظن الإنسان أنه يحكم على الأمور بموضوعية، بينما هو في الحقيقة ينظر إليها من خلال مخزون تجاربه ومعتقداته السابقة. ولذلك تختلف تفسيرات الناس للحدث الواحد، وتتباين آراؤهم حول القضية ذاتها، لأن كل واحد منهم يقف في زاوية مختلفة من المشهد.

إن النضج الفكري لا يظهر عندما نتمسك بما نعرفه فقط، بل عندما نعترف بأن هناك ما لا نعرفه. فكل كتاب نقرؤه، وكل شخص نستمع إليه، وكل تجربة جديدة نخوضها، تفتح نافذة إضافية على العالم، وتوسع حدود إدراكنا له.

ومن هنا تصبح القراءة، والحوار، والانفتاح على الثقافات المختلفة، والسفر، وتبادل الخبرات، وسائل مهمة لتحرير العقل من أسر التجربة الواحدة. فكلما اتسعت معارف الإنسان اتسعت مساحة التواضع لديه، وأدرك أن ما يعرفه ليس سوى جزء من صورة أكبر بكثير.

إن الحكمة لا تكمن في أن نجعل العالم بحجم تجاربنا، بل في أن نجعل تجاربنا جسرًا لفهم عالم أوسع. فالعقول الكبيرة لا تحاكم كل جديد بما اعتادته، وإنما تمنح نفسها فرصة لرؤية ما وراء المألوف. وعندما ندرك أن حدود تجربتنا ليست حدود الحقيقة، نصبح أكثر إنصافًا للآخرين، وأكثر قدرة على التعلم، وأقرب إلى الحكمة التي تبدأ دائمًا من الاعتراف بأن هناك آفاقًا لم نكتشفها بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬