بين الإتقان والكمالية: متى يتوقف السعي عن أن يكون نجاحًا؟!

بقلم الكاتبة : حنان القرني
لا يكاد يخلو عمل من خطأ، ولا تجربة من تعثر فالخطأ ليس نقيض النجاح، بل أحد مسارات الوصول إليه؛ ولذلك قيل: “ما دمت تعمل فأنت تخطئ، وما دمت لا تخطئ، فربما لأنك لا تتحرك بما يكفي”.
هذه الحقيقة تقودنا إلى معضلة يغفل عنها الكثيرون؛ وهي أن الحرص الزائد على الجودة قد يتحول — إذا تجاوز حدّه — إلى عائق صلب أمام الإنجاز.
وهنا يظهر الوجه المظلم لـ “الكمالية”؛ فبينما تبدو في ظاهرها سعياً للدقة والتميز، إلا أنها تنقلب إلى عبء حين تصبح “المثالية المطلقة” شرطاً للبداية، أو سبباً لتأجيل القرارات، أو حائطاً يمنع تسليم الأعمال في موعدها.
سُئل أحد المختصين يوماً عن أكثر ما يعطل الإنجاز في البيئات المهنية، فقال: “ليس ضعف الكفاءة دائماً، بل أحياناً الخوف من تقديم عمل غير كامل” وهذه الإجابة تختصر حال المجتهدين الذين يستغرقون في مراجعات مفرطة وملاحقة لتفاصيل لا تغير الأثر الحقيقي، حتى يضيع المشروع في دوامة التعديلات اللانهائية وتغيب الفكرة عن النور بانتظار صورة مثالية قد لا تأتي أبداً.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين الإتقان والكمالية ؛ فالإتقان فضيلة تدفعنا لتقديم أفضل الممكن ثم تطويره، أما الكمالية فتربط الإنجاز بمعيار مستحيل يرفض النقص ويخشى الخطأ، مما يجعلها أقرب لتعطيل العمل منها لتطويره.
إن النضج المهني الحقيقي لا يكمن في تجنب الخطأ، بل في التحرر من وهم المثالية والعمل بمنطق: “أنجز، ثم حسّن”فكثير من النجاحات العظيمة بدأت بمحاولات أولية نضجت بالممارسة والتغذية الراجعة، وما كان لها أن تصل لو انتظرت الكمال من الخطوة الأولى.
في النهاية، ليس المطلوب خفض المعايير، بل إدراك أن الخطأ الذي يُراجع يتحول إلى خبرة، بينما العمل الذي لم يبدأ خوفاً من النقص يظل مجرد إخفاق صامت.




