مقالات

ارفع بصرك التركيز في زمن التشتت

  بقلم : د. مشاعل الغفيلي 

  بقلم : د. مشاعل الغفيلي 

اتقن التوالي وابتعد عن التوازي

———————————-

إنَّ أهمَّ ما في الحياة لا يُتعلَّم من الكتب ولا من الخُطب الملهمة؛ بل يُتعلَّم عبر الخسارة، ويُتعلَّم في الانتظار، ويُتعلَّم حين نُخطئ مرةً بعد أخرى. لا وجود لوصفةٍ سحرية، وإنما هي إرادةُ الاستمرار في المضيّ قدمًا ……

خلف كل قصة نجاح ظاهرة، توجد قصص كثيرة غير مرئية لأشخاص امتلكوا الحلم نفسه، ووضعوا الهدف نفسه، وربما بدأوا بالحماس ذاته، لكنهم لم يصلوا. لا نراهم لأن الذاكرة العامة لا تحتفظ عادةً إلا بالناجحين.

ولهذا فإن الأهداف، مهما كانت طموحة، لا تفسّر النجاح وحده فلو كان الهدف كافيًا، لنجح كل من أراد. إنما الفارق الحقيقي تصنعه الاستمرارية، التركيز، العادات التي تُراكم التقدم، والقدرة على التعلم من الطريق لا مجرد التعلّق بنهايته.

لا يعني ذلك أن الأهداف بلا قيمة؛ فالأهداف مهمة لأنها تمنحنا اتجاهًا واضحًا، وتساعدنا على التخطيط، وقد تدفعنا إلى الحركة في البداية. لكنها وحدها لا تكفي لصناعة التقدّم الحقيقي.

النجاح ليس في تعدد الوجهات او الأهداف ، بل في عمق المسار / التركيز الذي يتحكم في مستوى التشتت بحيث تلتزم بمشروع واحد أو هدف واحد لسنوات، فأنت لا “تكرر” عملك، بل تراكم الخبرة والجودة حتى تصل إلى التميز الاستثنائي. القيمة تُخلق من توجيه الانتباه وليس تشتيته. في العصر الرقمي أصبح الانتباه موردًا نادرًا وثمينًا فالقيمة لا تُخلق فقط من إنتاج المعلومات أو كثرتها، بل من القدرة على جذب الانتباه وتوجيهه نحو ما هو مهم وذو معنى.

التشتت المعرفي هو ضعف بناء المعرفة العميقة وصعوبة في تحديد الأهداف و هدر للطاقة الفكرية التي تمنحك الاتساع الافقي دون ان تستطيع الالمام بفكرة وحدة تعرف القليل عن الكثير، لكنك لا تصبح مرجعاً في أي شيء. د.دانيال جولمان في كتابه ( ركز )هناك طريقتين رئيسيتين يمكن أن يتعطل بهما انتباهك :

التشتت Distraction وإجهاد الانتباه attention fatigue

كن فطن وتدارك معرفتك ، في عصر التسارع الزمني لن تلبث في تعلم شيء جديد إلا وستجد من هو أفضل منه وتدور في نفس الدائرة المفرغة وتنتهي مع شعور بالإحباط وأنك دون المستوى ولن تتقدم في أي مهارة أبدًا ، والحقيقة أنه ليس تقصيرًا منك بقدر ما هو إهدار لطاقتك في أكثر من جهة . لتفادي هذه التشتت يكمن في عدم توزيع جهدك في أكثر من جهة. ركز في شيء واحد، اختر مهارة واحدة، واعطِها جهدك ووقتك وتركيزك ولا تلتفت إلى شيء آخر. ثم انتقل إلى المهارة التالية اجعل تعلم المهارات بالتوالي وليس بالتوازي وطور خبراتك بالعمق الراسي وليس الاتساع الافقي .

عقلية الوصول والنمو الذهني:

———————————-

السؤال الذي يتكون من عقلية الوصول، السؤال يحدد بؤرة الانتباه السؤال القوي لا يبدأ دائمًا بـ«لماذا حدث هذا؟» بل كثيرًا ما يبدأ بـ«ما الذي يمكن فعله الآن؟». ما المهارة التي ينقصني تطويرها للوصول؟ فأنت تحوّل طاقتك من الانشغال بالمشكلة إلى الانشغال بالمسار. هذا يتفق مع النمو الذهني عند كارول دويك Carol Dweck وديفيد ييغر David Yeager يعني أن الإنسان يؤمن بأن قدراته وذكاءه ومهاراته ليست ثابتة، بل يمكن تطويرها بالتعلم، والممارسة، والاستراتيجيات الصحيحة، والتغذية الراجعة. قوة السؤال وعقلية الوصول بينهما بينهما علاقة عميقة؛ لأن السؤال الجيد لا يكتفي بجمع المعلومات، بل يغيّر زاوية الرؤية، ويحوّل العقل من وضعية التلقي أو التبرير إلى وضعية الاكتشاف والحركة.

عقلية الوصول تعني أن الشخص يفكر بطريقة كيف أصل؟ كيف أجرّب؟ كيف أقترب من الفرصة؟ ” الفرد لا يتحرك من موقع الخوف أو انتظار الفرصة، بل من موقع الاقتراب من الهدف، عبر تخيّل الإمكان، وبناء السلوك اليومي الذي يجعل الوصول ممكنًا. بدلًا من أن يفكر فقط ماذا لو فشلت؟ ماذا لو لم أنجح؟ وهذا يشير الى دافعية الفرد نحو الاقتراب من الأهداف المرغوبة، والسعي إلى تحقيق النتائج الإيجابية، من خلال التركيز على الفرص والمكاسب المحتملة، بدلًا من الانشغال المفرط بالفشل.

إن تحقيق هدفٍ ما قد يغيّر حياتك للحظة، لكنه لا يضمن أن يغيّرها على المدى الطويل. وهذه هي المفارقة غير البديهية في التحسين نحن نعتقد أن المشكلة في النتائج، فنحاول تغييرها مباشرة، بينما تكون المشكلة الحقيقية غالبًا في التفكير وفي الطريقة التي أنتجت تلك النتائج. فالنتائج ليست سوى مخرجات ظاهرة لما يحدث في العمق. إذا عالجت المشكلة عند مستوى النتيجة فقط، فقد تحصل على تحسّن مؤقت، لكنه سرعان ما يتراجع إن لم يتغير التفكير لان التحسن الحقيقي يبدأ عندما نسأل: ما العادات، والآليات، والقرارات اليومية التي تصنع هذه النتيجة؟

وهذا لا يعني تجاهل الأهداف تمامًا، بل يعني تحرير النفس من التعلّق المرضي بها. الهدف يحدد الاتجاه، لكن التركيز يصنع الحركة. الهدف يخبرك بما تريد والتفكير يدرّبك على أن تصبح الشخص القادر على تحقيقه.

قد تمنحك الأهداف دفعة قصيرة المدى، لكن ما يصنع الفارق على المدى الطويل هو وجود نظام ثابت يركز على ماذا تعمل وماذا ستحقق من خلاله. فليست العبرة فقط بأن تعرف إلى أين تريد أن تصل، بل أن تملك طريقة يومية تجعلك تتقدم بثيات نحو المكان الذي تنظر اليه نحو هدفك حين يخفّ الحماس، أو يتغير شكل الطريق.

لكي يتغير الواقع بصورة مستدامة، لا يكفي أن نصلح المخرج النهائي؛ بل علينا أن نعيد النظر في المدخلات التي تقوده. أصلح النظام، تتحسن النتائج. اضبط المدخلات، وستجد أن المخرجات بدأت تُصلح نفسها تدريجيًا.

عندما نربط جهدنا كله بهدف واحد، يصبح الإنجاز نهاية الطريق لا بدايته. وما إن يتحقق الهدف حتى يبهت الدافع، وتعود العادات القديمة بهدوء. لذلك لا يكفي أن نسأل: كيف أصل؟ بل الأهم أن نسأل: ما هي العقلية التي ستجعلني أستمر بعد الوصول؟ وأن نقبل بأن الطريق قد يطول، لكن وضوح الاتجاه أهم من قِصر المسافة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬