مقالات

حين يصبح مصدر الأمان… مصدر الخوف

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

ليس كل ألمٍ سببه الفراق، فبعض الأوجاع تبدأ بعده.

حين يكون التقدّم مؤلمًا، والرجوع أكثر ألمًا، تقف الروح في منتصف الطريق؛ لا تستطيع أن تمضي، ولا تملك القدرة على العودة. والأسوأ حين يكون الشخص الذي تحاول الوصول إليه هو نفسه مصدر الأمان الذي افتقدته، ومصدر الوجع الذي أنهكك.

هناك علاقات لا تنتهي بانتهاء الحب، بل تبدأ بعدها معركة طويلة بين القلب والعقل. أحدهما يطالبك بالنسيان، والآخر يذكّرك بكل لحظة عشتها معه.

أتيت إليه يومًا لاجئًا من تعب الحياة، لا أبحث عن قصة حب بقدر ما كنت أبحث عن وطنٍ صغير أختبئ فيه من قسوة الأيام. كنت أظن أنني وصلت إلى المكان الذي أستطيع أن أضع فيه خوفي وتَعبي دون أن أخشى أن يُستخدما ضدي. احتواني، فاطمأن قلبي، وصدّقت وعوده، ومنحته ثقةً لم أمنحها لأحد قبله.

لكن الحقيقة لا تأتي صاخبة، بل تتسلل بصمت. بدأ كل شيء يتغير بالتدريج؛ كلمةٌ تؤلم، ووعدٌ لا يكتمل، وموقفٌ يهز يقينك، حتى وجدت نفسي ممزقًا بين صورتين: صورة الإنسان الذي منحني الأمان، وصورة الإنسان الذي لم أعد أعرفه. تضاربت أفكاري بين التصديق والتكذيب، بين التمسك بالبدايات والاعتراف بما يحدث الآن، حتى أتعبني الصراع أكثر مما أتعبني الفراق.

وحين تهتز الثقة، يصبح الطريق إلى من تحب ثقيلًا. تخاف من الاقتراب كما كنت تخاف يومًا من الابتعاد. تمسك هاتفك عشرات المرات، وتنظر إلى اسمه طويلًا، وتكفيك ثمانية وعشرون حرفًا لتكتب رسالة، لكنك تعجز عن كتابة حرف واحد؛ ليس لأن الكلمات انتهت، بل لأنك تخشى أن يكون الرد انكسارًا جديدًا، وأن يعود قلبك محملًا بخيبة أخرى.

المؤلم أن بعض الناس يظنون أن من يتحمل لا يتألم، وأن من يعود بعد كل انكسار لا يشعر. فيتمادون في القسوة، ويعتادون كسر الخواطر، لأن الطرف الآخر لم يشتكِ كثيرًا. ينسون أن الصابر قد يبتسم، لكنه يحمل في داخله وجع سنوات، وأن كثرة الاحتمال لا تعني غياب الألم، بل تعني أن القلب تعب من الشرح.

ثم يبدأ نوع آخر من الانكسار… المقارنات. يقارنك بمن أحب بعدك، ويعدد ما تفعله له، وما لم تفعله أنت، وكأن المشاعر سباق، وكأن الحب يقاس بما يُقدَّم لا بما يُشعَر به. ينسى أنك أحببته بظروفك، وبما كنت تملكه من قلبٍ صادق، لا بما كنت تملكه من إمكانات.

وما هو أشد قسوة من المقارنة، أن يعايرك بالظروف التي كانت يومًا أكبر عائق بينك وبينه. يذكّرك بما لم يكن بيدك، ويحاسبك على أقدار لم تخترها، وكأنك كنت راضيًا عنها أو قادرًا على تغييرها. يفتح الجراح التي لم تلتئم، ويجعل من معاناتك القديمة تهمةً تلاحقك، بدل أن تكون سببًا لاحتوائك.

ما أقسى أن يستخدم الإنسان تفاصيل ضعفك التي ائتمنته عليها سلاحًا ضدك. أن يستحضر أيام عجزك ليكسر بها قلبك، وينسى أنه كان يومًا أقرب الناس إلى تلك التفاصيل. فالحب الحقيقي لا يعاير، ولا يفضح، ولا يستغل الجراح القديمة كلما أراد أن ينتصر في نقاش.

ثم تبدأ الأحكام الجاهزة. إن تكلمت، قالوا: مغرورة. وإن صمتِّ، قالوا: متكبرة. وإن ابتعدتِ، قالوا: لا ترين أحدًا. وإن اقتربتِ، اتُّهمتِ بالتعلق. وإن غبتِ، لاموك على الغياب، وإن حضرتِ، استنزفوا حضورك. وكأن كل الطرق تؤدي إلى الاتهام، مهما كانت نيتك.

الثقة ليست كلمات جميلة تُقال، ولا وعودًا تُمنح في لحظات الصفاء، بل أمانٌ يبقى حين تختلف القلوب، واحترامٌ لا يسقط مع أول خلاف. أما الوعود التي لا تسندها الأفعال، فهي لا تكسر العلاقة فقط، بل تكسر الإنسان الذي بنى عليها طمأنينته.

في واقعنا اليوم، يعيش كثيرون هذه المعركة بصمت. يبدون طبيعيين أمام الناس، بينما يخوضون كل ليلة حربًا مع الذكريات. يضحكون، ويعملون، ويواصلون حياتهم، لكن داخلهم شخص ما زال يقف عند بابٍ ظنه يومًا باب الأمان، ثم اكتشف أنه بابٌ للخوف.

وأقسى ما قد يمر به الإنسان، أن يصبح الشخص الذي كان يركض إليه ليحتمي به، هو الشخص الذي يتردد ألف مرة قبل أن يقترب منه. ليس لأن الحب انتهى، بل لأن الخوف من الانكسار أصبح أكبر من قدرة القلب على الاحتمال.

فالقلوب خُلقت لتُكرم، لا لتُستنزف. ومن أحبك حقًا، لن يجعل شوقك وسيلةً للعقاب، ولن يستغل ضعفك ليشعر بقوته، ولن يحول ثقتك إلى اختبارٍ لا ينتهي، ولن يعايرك بظروفٍ كنت تتمنى لو أنها لم تكن جزءًا من حياتك أصلًا. لأن الحب لا يُقاس بعدد الوعود، بل بمقدار الأمان الذي يتركه في القلب.

فليس كل من أحببناه كان منزلًا آمنًا، وليس كل من منحناه ثقتنا عرف كيف يحافظ عليها. ويبقى أصعب شعورٍ في الحياة… أن يتحول الشخص الذي كنت ترى فيه نجاتك، إلى أكثر شخص تخشى أن تطرق بابه، وأن يصبح مصدر الأمان الذي احتميت به يومًا، أغرب الأماكن في قلبك.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬