مقالات

اسمعوا… وَعُوا: صدى الحكيم في ممرّات الطوارئ

بقلم : د. سوسن توفيق حنفي

بقلم : د. سوسن توفيق حنفي

في الطوارئ، حين تلتقي الحياة والموت في سريرين لا يفصل بينهما سوى خطوة، وحين يعلو صوت الأجهزة كأنها تدقُّ على باب الغيب، يعود إليّ صوتٌ قديم… صوتٌ لا يُشبه غيره، ولا ينتمي إلى زمن واحد، بل يمتد في الأزمنة كلها.

إنه صوت قُسّ بن ساعدة ، خطيب العرب وحكيمهم، الرجل الذي وقف قبل عام ٦٠٠ ميلادي على صخرةٍ في سوق عكاظ، وقال كلماته التي لم تهرم:

«أيُّها الناس، اسمعوا… وَعُوا.

من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت».

ثم طرح سؤاله الذي بقي معلّقًا في هواء الحياة أكثر من أربعة عشر قرنًا:

«ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟

أرَضُوا بالمقام فأقاموا، أم تُركوا هناك فناموا؟»

وفي ممرات الطوارئ… أعرف معنى هذا السؤال، وأرى أثره في العيون قبل الكلمات.

أراها في رجلٍ يُسحب سريره مسرعًا كأنه يسافر بين عالمين.

أراه حين نُنعش قلبًا توقف، وحين يتكئ مريضٌ بين أيدينا على آخر خيطٍ من الحياة.

هنا، الموت ليس فكرة… بل احتمال.

والوقت ليس ساعات… بل أنفاس.

والإنسان ليس جسدًا… بل معنى يتنقّل بين يدين ترتجفان.

وحين يعود أحدهم من تلك الحافة، نشعر كأننا نجيب عن سؤال قُسّ:

«ها هو يعود… لم يرضَ بالمقام هناك».

وحين يخرج جسدٌ بلا نبض، يمرّ السؤال في نفوسنا مرور السهم:

هل ناموا هنالك؟

أم وجدوا ما يُرضي أرواحهم فأقاموا؟

قُسّ كان أول من قال: «أمّا بعد…»

وكأنها الجملة التي تليق بالطوارئ أكثر من أي مكان:

أما بعد هذا النزيف… فنجاة.

وأما بعد هذا الخوف… فطمأنينة.

وأما بعد هذا الوداع… فأثرٌ يسكن المكان.

أحيانًا، حين أخرج من غرفة الإنعاش، يشتدّ صمت داخلي، صمت يشبه لحظة وقوف قُسّ على صخرته القديمة.

أفكّر: كم هو عجيب أن نرى الموت كل يوم… ومع ذلك لا نفقد قدرتنا على المضي والتعايش؟

كم هو مدهش أن يظلّ قلب الإنسان قادرًا على النهوض، حتى بعد أن يمرّ به الفقد من مسافة نبضة؟

في الطوارئ نتعلم أن الوجع ليس هو العدو وحده…

العدو الحقيقي هو ألّا نشعر.

هو أن نعبر الحياة بلا أثر، بلا كلمة، بلا دفء يتركه قلبنا في قلوب الآخرين.

والرحيل – بكل ثقله – لا ينطفئ أثره.

الراحل يترك ظله في الممر… ودفأه في الذاكرة، وشيئًا من نوره في المكان الذي مرّ به.

ولذلك، حين يغادر أحدهم، نشعر بأن جزءًا خفيفًا من روحه يبقى:

يبقى في السرير الذي فرغ،

وفي الهواء الذي ارتجف،

وفي العيون التي بكت ثم تماسكت.

وكأن كل راحلٍ يقول لنا بصمتٍ لا يُسمع:

عيشوا أكثر…

أحبّوا أعمق…

واغتنموا اللحظة قبل أن تصبح ذكرى.

وفي آخر الليل، حين تهدأ الأجهزة وتسترخي الأرواح المتعبة من السهر، يعود صوت قُسّ من عمق السنين، كأنه يكلّمنا نحن . نحن الواقفين عند حدود الحياة كل يوم:

«أيُّها الناس، اسمعوا… وَعُوا.

من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت».

فنخفض رؤوسنا قليلًا…

ونهمس لأنفسنا:

ليتنا نعود إلى الحياة بعمق الذين رحلوا…

وبصفاء الذين ناموا ولم يعودوا…

وبقلبٍ يعرف أن كل ما هو آتٍ آت.

 

على دين المحبوب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬