على دين المحبوب

بقلم : د. سوسن توفيق حنفي
في الطوارئ، حيث تنكشف الأرواح على حقيقتها، وتسقط الأقنعة ولا تتصنع المشاعر، أدركُ أن الحب ليس تفصيلًا جانبيًا في رحلة الإنسان، بل هو النواة التي يدور حولها الوجود كله.
هناك، تتردد في داخلي كلمات نزار : “يا ولدي، لا تحزن فالحب عليك هو المكتوب”، فأرى أن كل من يدخل هذا الممرّ يحمل حبًا في صدره.
أمًّا تتشبث بطفلها كأنها تتمسك بكل الحياة، ابنًا يخاف أن تسقط من بين أصابعه آخر خيوط ذاكرة أبيه، عاشقًا يخشى أن يموت حلمه قبل أن يزهر.
يظنّ الناس أن الطوارئ ساحة فوضى، لكنها في حقيقتها امتحان صامت للحبّ الحقيقي. ذلك الحب الذي لا يعيش فقط في الليالي الهادئة الحالمة، بل يمرّ بالعواصف كما تمرّ السفن بالبحار. عندها أستعيد قول قبّاني: “مقدورُك أن تمضي أبداً في بحر الحب بغير قلوع”، وأدرك أن لا يمكن لبحرٍ أن يهادن قلبًا عاشقًا، ولا يمكن لحبّ أن يستمر بلا صبرٍ ومقاومة. هكذا خُلقت القلوب: تُجرح، وتُنزع عنها أشرعتها، لكنها لا تكفّ عن الإبحار. تنكسر مرارًا، وتخسر معاركًا، وتفقد من تحب، ومع ذلك تعود كلما جاء النداء: أن في الحب شيئًا يستحق النجاة.
أرى في هذا المكان من عاد بعد فقدٍ مزّق صدره، أو مرضٍ كاد يقتله، ومع ذلك يعود من جديد إلى الحياة لأجل الحب. يعود ليحبّ من بقي من أهله بعد رحيل أحدهم، يعود ليتمسّك بيدٍ جديدة بعد يدٍ غابت، يعود ليمنح قلبه لمن يستحق، أو ليعيد بناء نفسه على شظايا ذاكرته. كأن القلب -مهما انكسر- يعود في كل مرة يبحث عن وجه يؤمن به، وفي كل عودة نراهم ينهضون كالملك المخلوع، مكسوري التاج، لكن أرواحهم ما تزال متعطشة صالحة للحب.
والحب ليس زينة للوجود، بل شرط أساسي لاستمراره. لا يستطيع الإنسان مواجهة العالم وحده، فلا حرب تُخاض بلا غاية، ولا طريق يُكمل دون يدٍ نسير نحوها، ولا ظلام يُقاوَم دون نور قلب آخر.
نحن نعيش لأن أحدهم سيحزن إن سقطنا، ولأن في داخلنا صوتًا يهمس: “لأجل من تحب.. قم، وواصل، وانجُ.”
والحب، في جوهره، مسؤولية لا عاطفة عابرة.
ليس دمعةً في لحظة انهيار، ولا فرحًا يلمع ثم ينطفئ، بل فنّ حماية القلوب التي اؤتمنّا عليها. من أحبّ لم يلقِ الكلمات كحجارة، ولم يخذل من رجاه سندًا، ولم يترك من خاف الليل بلا ضوء. الحب التزام، وعهد، وإعمار لما يتصدّع في أرواح من نحب.
وإذا اتسع الحب من بيوتنا إلى العالم، عمت الطمأنينة بين الناس. فالحروب ليست إلا فراغًا من الحب، والقسوة ليست إلا غيابًا لقلوبٍ كان ينبغي أن تتلامس. وإذا أحبّ العامل عمله، والمعلم تلميذه، والزملاء بعضهم، سكنت الأرواح قليلًا وازدهرت الحياة.
أما الحب في الطوارئ فليس غرامًا عابرًا، بل موقف أخلاقي: أن ترى الإنسان قبل المرض، والروح قبل العلامات الحيوية، وأن تفهم أن ما ينهار أمامك ليس جسدًا فقط، بل حياة كاملة تمشي على قدمين.
رأيت مرضى خرجوا من غيبوبة فلم يسألوا عن مرضهم ولا عن أجهزتهم، بل قالوا: “أين أمي؟” أو هتفوا باسم زوجٍ أو ابنٍ أو أخت، أو بكوا حين وقعت أعينهم على وجه يحبونه.
وكم من دمعة كانت الدليل الأول على أن الروح عادت، وأن الحياة -مهما اشتدّ ظلامها – تبدأ من جديد حين تجد سببًا واحدًا للبقاء.
نحن في هذا العمل لا نصمد بالكفاءة وحدها، بل بزميلٍ يساندنا في نوبة ثقيلة، وبممرضةٍ تناوِلنا كوب ماء عند الفجر، وبفريق يعرف أن قلوبنا تتشارك حمل الفرح و الألم قبل أن تتشارك خطة العلاج. فالعمل الذي يجري فيه الحب يتحول إلى رسالة تُعاش لا وظيفة تُؤدّى.
ولأن الحب إرث لا يزول، لا يرث الناس بيوتنا كما يرثون أثر كلماتنا، ولا يتذكرون تفاصيلنا كما يتذكرون دفء حضورنا.
الحب وحده وصيّة لا تنتهي وإرث لا يُقسم بين الورثة.
في الطوارئ، تعلمت أن الحب لا يموت حتى عندما يموت صاحبه، وأن الفقد – مهما كان قاسيًا – ليس نهاية، بل اعتراف خفي يقول: “لقد أحببتُ شيئًا يستحق أن أقاتل من أجله.”
نولد لأن شيئًا أحبّ أن نوجد، ونتمسك بالحياة لأن هناك قلوبًا تربط مصيرها بنا، وربما نرحل لأن الحب أيضًا له دين لا يُخالف.
وهنا رأيت أرواحًا تهزم الموت أو ترحل وهي تحمل لواءه: شهداء على دين المحبوب.
وفي ختام القول، تتردد أبيات قباني التي طالما كنت أراها مذهلة، كأنها الخلاصة الهادئة لكل ما رأته العيون في هذه الدنيا:
يا ولدي، لا تحزن
فالحب عليك هو المكتوب
يا ولدي،
قد مات شهيدًا
من مات على دين المحبوب.
مقدورُك أن تمضي أبداً
في بحرِ الحبِّ بغيرِ قلوع،
وتحبَّ ملايينَ المرّات…
وترجعَ كالملك المخلوع.



