الأخلاق في مواجهة القرار الصعب

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر
في لحظات مفصلية، حين يقف الإنسان على مفترق طرق مصيري، تتجلى أخلاقه على حقيقتها. فهذه الأوقات الصعبة هي محكّ للقيم: هل هي مجرد شعارات نرددها في الفترات السهلة، أم مبادئ صلبة تهدينا حين تشتد العواصف؟
القرارات السهلة نادرًا ما تختبر عُمق الإنسان، لكن عند المفترق الصعب، تنكشف حقيقة البوصلة الداخلية. هنا، ينشأ صراع خفي: بين الربح الفوري والمبدأ الراسخ، بين ما نرغبه وما نعلم أنه الطريق الصحيح. ويظهر القائد الأخلاقي حين يختار المبدأ على حساب المصلحة، ويقف مع الحقيقة حتى لو لم يكن أحد يشاهده.
صعوبة هذه القرارات تكمن في التناقض بين ما يُغري وما يرقى، بين المكاسب الملموسة والقيم التي قد تبدو في البداية مجرد تجريدات. لكن عظمة القيادة ليست في تحقيق الربح السريع، بل في الثبات على القيم حتى لو كان الثمن غاليًا. فالقرار الأخلاقي أشبه بغرس شجرة: قد لا توجد ثمار اليوم، لكنه يبنى ظلًا يمتد للأجيال.
لكي يحافظ القائد على هذه البوصلة الأخلاقية في أوقات المحن، يحتاج إلى تأمل ذاتي، وحوار مع الحكماء، ورؤية بعيدة المدى تُفكر في أثر القرارات على الفريق، على المؤسسة، وعلى المجتمع بأسره. كما أن القدوة تُعدّ من أهم الأدوات: قصص من صمدوا أمام التحديات بالرغم من قسوتها تلهم الآخرين.
ومع ذلك، هذا لا يكفي دون إدراك أن القيادة مسؤولة ليس فقط عن المكسب الآني، بل عن بناء سمعة وثقة طويلة الأجل. القائد الذي يرى أن تأثير قراراته يتجاوز ذاته — إلى من حوله وإلى المستقبل — يمتلك وعيًا أكبر بثقل المسؤولية. هذا الإدراك يدفعه لاختيار النزاهة حتى لو استغرق الطريق وقتًا.
ويبدو أن القائد الحقيقي لا يعتمد على الصوت العالي أو الكلام الرنان، بل على صدق السيرة ونقاء النية. إنه لا يختار الطريق السهل، بل الطريق الصحيح. ربما ندفع ثمن القيم اليوم، لكن الثقة واحترام الذات هما المكسب الحقيقي الذي يرافقنا في كل خطوة.
في النهاية، ليس المهم فقط أن نصل إلى القمة، بل أن نصل ونحن أهل لها. فالأخلاق أمام القرار الصعب ليست فقط خيارًا عابرًا؛ إنها أساس الهوية وركيزة السمعة التي تُبنى عبر الزمن



