الفكر الأنيق… حين يصبح الوعي جمالًا

بقلم الكاتبة :صالحة محمد معتق القحطاني
ليست الأناقة ثوبًا نرتديه ولا مظهرًا نتباهى به ولا كلماتٍ ننتقيها بعناية لنحظى بإعجاب الآخرين إن الأناقة الحقيقية تبدأ من الداخل من عقلٍ يعرف كيف يفكر وقلبٍ يعرف كيف يشعر بالآخرين ولسانٍ يعرف متى يتكلم وماذا يقول ومتى يترك للصمت بلاغته.
إنه الفكر الأنيق : ذلك الجمال الخفي الذي لا تراه الأعين ولكن تشعر به النفوس عند التعامل مع الاختلاف مع جميع الأطياف ومواجهة المواقف بصلابة وإدارتها بحكمة مع احترام عقول الآخرين.
فصاحب الفكر الأنيق لا يجعل من معرفته وسيلةً للتعالي على غيره ولا من ثقافته جدارًا يفصله عن الناس بل يجعل علمه جسرًا للتواصل ووعيه نافذةً يرى من خلالها العالم بأكثر من زاوية. صاحب هذا الفكر يعلم علم اليقين أن كثرة الحديث لا تعني عمق الفهم وأن الانتصار في الحوار ليس دائمًا في إثبات صحة الرأي بل قد يكون في اكتشاف حقيقة جديدة أو مراجعة فكرة قديمة.
الفكر الأنيق : يترجم الحوار إلى نقد بناء دون استنقاص من الطرف الآخر صاحبه قوي بعيد عن القسوة وواثق ليس مغرور ومثقف بلا استعراض وحقيقة نعيشها اليوم مع زمنٍ تتسارع فيه المعلومات وتزدحم فيه المنصات بالأصوات والآراء أصبحنا أحوج ما نكون إلى تهذيب الفكر بقدر حاجتنا إلى تنمية المعرفة. فليست
كل فكرة تستحق أن تُنشر ولا كل استفزاز يستحق أن يُجاب ولا كل خلاف يستدعي معركة. ثمة نضجٌ يجعل الإنسان يتوقف قبل أن يحكم ويتثبت قبل أن ينقل ويتأمل قبل أن يرفض لأنه يدرك أن الكلمة مسؤولية فقد تعمر أو تدمر وأجمل ما في الفكر الأنيق أنه لا يُقصي العاطفة ولا يسمح لها في الوقت ذاته بأن تعطل العقل إنه يوازن بين الحكمة والرحمة وبين الحزم واللين وبين التمسك بالمبادئ والاستعداد للتعلم وفي إنصاف الغائب وحسن الظن واحترام حدود الآخرين والامتناع عن إصدار الأحكام المتسرعة. إننا بحاجة إلى أناقةٍ لا تُشترى وثقافةٍ لا تُستعرض وحكمةٍ لا تبحث عن التصفيق. بحاجة إلى عقولٍ تُنير بدلًا من أن تُدين وتبني بدلًا من أن تهدم وتفتح أبواب التفكير بدلًا من أن تغلقها .
ولنتذكر دائمًا أن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس صورته في عيون الآخرين بل الأثر الذي زرعه في عقولهم والطمأنينة التي منحها لقلوبهم والنور الذي أضافه إلى حياتهم.




