Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

أينشتاين… المعادلات وجع الأرواح

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

لم يكن الكون في اتساعه أكثر غموضًا من قلب إنسان يبتسم وفي داخله ألف انكسار، ولم تكن المسافات بين النجوم أبعد من المسافة التي تفصل أحيانًا بين روحين جمعتهما الحياة وفرّق بينهما سوء الفهم.

لقد استطاع أينشتاين أن يغيّر نظرتنا إلى الزمان والمكان، لكن ثمة أشياء في حياتنا لا تستطيع أعظم المعادلات تفسيرها؛ كدمعة تسقط حين نظن أننا تجاوزنا الوجع، أو حنين يوقظه صوت عابر، أو إنسان غاب عن أعيننا وما زال يسكن أدق تفاصيلنا.

فما الحياة إلا رحلة بين أشياء نملكها ولا نشعر بقيمتها، وأشياء نفقدها فندرك متأخرين أنها كانت الحياة نفسها.

نولد ونحن نظن أن العمر طريق طويل، وأن الأحبة باقون، وأن الأبواب التي نغلقها اليوم سنجدها مفتوحة غدًا. ثم تمضي بنا السنوات، فنكتشف أن بعض الوجوه كانت آخر الأمان، وأن بعض الأحاديث كانت وداعًا لم ننتبه إليه، وأن بعض اللحظات البسيطة كانت أعظم ما امتلكناه.

نكتشف أن البيت ليس جدرانًا، بل صوت من نحب حين ينادينا، وأن الغنى ليس كثرة ما نملك، بل أن نجد قلبًا نعود إليه دون خوف، وأن السعادة ليست حياة خالية من الألم، بل روحًا ما زالت قادرة على الشعور بالجمال رغم كل ما أصابها.

وأقسى ما تعلّمنا إياه الحياة أن الإنسان قد ينجو من مصائب عظيمة، ثم تهزمه كلمة من شخص كان يظنه مأمنه.

كم من إنسان يحمل في صدره حكاية لو رواها لبكى من يسمعها، لكنه يختار الصمت؛ ليس لأنه لا يتألم، بل لأنه تعب من شرح ما لا تستطيع الكلمات حمله.

وكم من روح أنهكتها الخسارات، ومع ذلك ما زالت تمنح الآخرين الحنان، وتخفي احتياجها خلف سؤال: كيف حالك؟

هناك أناس لا يحتاجون إلى من يحل مشكلاتهم، بل إلى من يشعر بوجودهم. لا يريدون وعودًا عظيمة، بل كلمة لا تجرح، ويدًا لا تتخلى، وقلبًا لا يجعلهم يندمون على صدق مشاعرهم.

ولعل أعمق ما نتعلمه من الحياة أن ليس كل صامت مرتاحًا، ولا كل مبتسم سعيدًا، ولا كل من قال إنه بخير كان بخير فعلًا.

إن الزمن الذي حاول أينشتاين فهم طبيعته، نعيشه نحن بمقاييس أخرى؛ فساعة انتظار قد تبدو عمرًا، ولحظة لقاء قد تختصر سنوات، وذكرى واحدة قد تعيد إلينا أشخاصًا أخذهم الغياب ولم يأخذ مكانتهم من أرواحنا.

ومع تقدم العمر تتغير أمنياتنا دون أن نشعر. لم نعد نبحث عن الأشياء المبهرة كما كنا، بل عن راحة البال، وعن صباح لا يحمل خبرًا موجعًا، وعن أحبة لا نفقدهم، وعن أيام تمر بسلام دون أن نضطر فيها إلى التظاهر بالقوة.

نصل إلى مرحلة ندرك فيها أن الانتصار الحقيقي ليس أن نثبت للآخرين أننا على حق، بل أن نحافظ على سلام أرواحنا، وألا نسمح لقسوة التجارب أن تحوّلنا إلى نسخ من الذين آذونا.

فليس أعظم من إنسان ذاق مرارة الخذلان ولم يتعلم الخيانة، وعرف قسوة الحياة ولم يفقد الرحمة، وانكسر مرات كثيرة وما زال يخشى أن يكسر خاطر أحد.

وهنا تكمن عظمة الإنسان؛ لا في مقدار ما يعرفه، ولا في المكانة التي يصل إليها، بل في الأثر الذي يتركه حين يمر بحياة الآخرين.

قد تنسى الوجوه ملامحنا، وقد تمحو الأيام أسماءنا من كثير من الأماكن، لكنها لا تمحو بسهولة شعورًا جميلًا تركناه في قلب إنسان، ولا دعوة خرجت من روحٍ أسعدناها، ولا دمعة مسحناها دون أن يعلم بنا أحد.

وفي نهاية الرحلة، حين تهدأ ضوضاء الحياة، سنكتشف أن كثيرًا مما أتعبنا لم يكن يستحق، وأن أشياء صغيرة أهملناها كانت تستحق أعمارًا من الاهتمام.

سنفهم أن الحياة لم تكن تطلب منا أن نكون كاملين، بل أن نكون إنسانيين، وأن نحب دون أن نؤذي، وأن نختلف دون أن نجرح، وأن نرحل من حياة الآخرين دون أن نترك وراءنا خرابًا في أرواحهم.

فيا أيها الإنسان، لا تؤجل كلمة حنان، ولا تبخل باعتذار، ولا تكسر قلبًا اطمأن إليك؛ فقد تكون أنت آخر ما تبقى له من شعور بالأمان.

عش ما استطعت خفيفًا على القلوب، عميقًا في الأثر، جميلًا في الغياب كما كنت في الحضور.

وإذا سألت يومًا عن أعظم معادلة في الحياة، فلن تجدها مكتوبة على سبورة عالم، بل في قلب إنسان أدرك بعد رحلة طويلة أن كل ما جمعه قد يتركه، وكل ما بناه قد يفارقه، إلا الخير الذي زرعه، والمحبة التي منحها، والرحمة التي أبقاها حيّة في أرواح الآخرين.

فالعمر ليس ما مضى من أعوامنا، بل ما بقي منا في قلوب من مررنا بهم.

وربما يكون السؤال الأخير الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا ليس: كم عشنا؟ بل:
هل شعر أحدهم أن الحياة كانت أرحم وأجمل لأننا كنا فيها؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬