ذاكرة شعور

بقلم الكاتبة د. أبرار مهدي منشي
مساء اليوم الثالث والعشرين من اكتوبر …
استيقظتُ متعبة ..
من شدة ما حلّ بي من إرهاقٍ جسدي، لم يستطع الأطباء ترجمته إلا على أنه نزلة برد ..
لكنني أعي تمامًا ما الذي أصابني..
لقد عدتُ من المدينة التي تعرفه قبل أن يعرفني ..
هكذا أطلقتُ عليها هذا الاسم..
مدينةٌ له فيها من الذكريات والتفاصيل ما يكفي لملئ مجلدات ..
وكنتُ أنا الوافدة المتأخرة عليها..
ومع ذلك ..
عدتُ منها بشعورٍ لا أعرف له اسمًا.
كان نوعاً نادراً من الانسجام..
الذي يجعل الإنسان يشعر أنه وصل إلى مكانٍ يعرفه .. رغم أنه يدخله للمرة الأولى.
كل شيء لم يكن يحتاج إلى تفسير ..
فالنظرة تكفي ..
والصمت لا يربك ..
والاقتراب هدئاً حتى انه لا يُشعرك بمحاولة الاقتراب ..
كنت هادئة على نحوٍ لم أعتده ..
بلا حذر ..
بلا مقاومة ..
لم تكن اللحظات الكبيرة هي التي بقيت معي ..
بل التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد ..
نظرة ..
ضحكة ..
هدوء ..
همسة ..
أشياء صغيرة جدًا ..
لكنها تركت في داخلي أثرًا أكبر من حجمها.
وهناك فهمت أن بعض القرب لا يحدث فقط في المسافة ..
بل في تلك المنطقة الخفية التي يسقط فيها التكلّف .. ويهدأ فيها الإنسان .. ويشعر ولو للحظات أنه لا يحتاج إلى أن يحمي نفسه من الآخر.
الواقع .. اليوم ..
انتهت الرحلة.. حقًا ..!!!
لكنها لم تنتهِ تمامًا..
فهناك ذكريات حفظها العقل .. وأخرى احتفظ بها القلب ..
وهناك نوع ثالث ظل ساكنًا في الإحساس نفسه .. كأن الجسد يتذكره قبل أن تتذكره الذاكرة..
والمفارقة أنني حين أحاول الآن استعادة بعض التفاصيل.. أكتشف أن ذاكرتي لم تحفظ المدينة كما تحفظ المدن عادةً ..
لا أعرف أسماء كثيرٍ من الأماكن التي ذهبت إليها.. ولا أستطيع أن أستعيد بدقة أسماء الأطباق التي تناولتها.. ولا الشوارع التي عبرتها.. ولا حتى ترتيب بعض المحطات في ذاكرتي.
وكأن انتباهي كان يعمل بانتقائية شديدة .. يلتقط منه كل شيء .. ويسمح لما عداه أن يمر في الخلفية.
وربما تفسّر الذاكرة ذلك بطريقتها.. فالإنسان لا يحتفظ دائمًا بما رآه أكثر .. بل بما شعر به أكثر..
وكلما ارتفعت كثافة الشعور.. أصبحت بعض التفاصيل المحيطة أقل حضورًا..
بينما تزداد التفاصيل المرتبطة بصاحب ذلك الشعور وضوحًا وثباتًا.
لم أحفظ الطرق ..
ولم أحفظ أسماء الأماكن ..
بل ظل ذلك الشعور الذي كان يصاحبني فيها..
ولم يكن ذلك لأن المدينة لم تكن جديرة بأن تُرى … بل لأنني….
وهكذا انتهت رحلتي …
إلى المدينة التي تعرفه قبل أن يعرفني..
لكن السؤال .. هل ذهبت حقيقةً إلى تلك المدينة ؟!!
أم أنني سافرت بمخيلتي فقط ؟!
هل هذا الشعور حقيقة ؟!
أم أنه أحلام يقظة .. تتمنى أن تُعاش في الحقيقة ؟!
ولو كان كل ذلك حقيقة هل سأصبح يومًا إحدى الحكايات التي لا تُنسى؟! ..
وجزءًامن مجلدات ذكرياته في المدينة التي تعرفه قبل أن يعرفني؟!
أم أنني كنت مجرد عابرة ..
مرّت من قلبه ..
كما مررتُ بين طرقات مدينته؟..




