وقفات مع أذكار الصباح والمساء (3)

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر
وقفة مع دعاء:
«اللَّهُمَّ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ».
(رواه الترمذي، وصححه الألباني).
ليس كل خطر يأتي من خارج الإنسان، بل قد يكون أعظم ما يخشاه المؤمن هو ما يسكن في داخله. لذلك بدأ هذا الدعاء باللجوء إلى الله من شر النفس قبل الاستعاذة من الشيطان، وكأن الذكر يعلّمنا أن أول معركة نخوضها كل يوم هي مع أنفسنا.
الوقفة الأولى: بين الخير والشر… النفس ميدان الصراع
خلق الله النفس قابلة للخير وقابلة للشر، ولم يخلقها مجبرة على أحدهما، وإنما ترك لها باب الاختيار، ثم هداها الطريقين.
قال تعالى:﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
(سورة الشمس: 7-10).
كلما غذّى الإنسان قلبه بالطاعة، ازداد نور الإيمان فيه، وسَهُل عليه فعل الخير، وكلما استرسل مع الذنوب والشهوات ضعفت مقاومة النفس، حتى يصبح المنكر مألوفًا والطاعة ثقيلة.
وقد قال أهل السنة، كما نقل عن الصحابة والسلف:
“الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.”
فليست الطاعة مجرد أعمال تؤدى، بل هي بناء يومي للنفس، كما أن المعصية ليست خطأ عابرًا، بل قد تكون ثغرة يدخل منها الضعف إلى القلب.
ولذلك كان من دعاء النبي ﷺ أن يستعيذ بالله من شر نفسه، لأن النفس إذا تُركت لهواها قادت صاحبها إلى ما لا يرضي الله.
الوقفة الثانية: لماذا بدأ الدعاء بشر النفس؟
لأن الشيطان لا يملك أن يجبر أحدًا على المعصية، وإنما يزينها فقط.
قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾
(سورة إبراهيم: 22).
فالشيطان يعرض، والنفس تقبل أو ترفض.
ولهذا كانت تربية النفس أعظم أسباب النجاة، فإذا صلحت النفس ضعفت وساوس الشيطان، وإذا استسلمت النفس صار الشيطان يجد طريقه إليها بسهولة.
ومن جميل ما قاله ابن القيم رحمه الله:“جهاد النفس أصل جهاد العدو.”
فمن انتصر على نفسه، كان أقدر على مقاومة كل فتنة من حوله.
الوقفة الثالثة: ومن شر الشيطان وشِركه
قال النبي ﷺ:«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.»
(متفق عليه).
إنه لا يمل ولا يكل، يترصد للإنسان في كل طريق، يثبطه عن الطاعة، ويهوّن عليه المعصية، ويزرع في قلبه اليأس أو الكبر أو الحسد أو الرياء.
ولا يقف الأمر عند شياطين الجن، بل أخبرنا الله أيضًا عن شياطين الإنس، فقال سبحانه:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾
(سورة الأنعام: 112).
فقد يكون هناك من يزين لك الحرام، أو يستهين بالذنوب، أو يسخر من الطاعة، أو يجرّك إلى ما يغضب الله.
وهنا تظهر أهمية اختيار الرفقة.
قال رسول الله ﷺ:«المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.»
(رواه أبو داود والترمذي وحسنه أهل العلم).
فالصحبة ليست مجرد مؤانسة، بل هي طريق إما إلى الجنة وإما إلى الغفلة.
فاحرص أن تحيط نفسك بمن يذكرك بالله إذا نسيت، ويعينك على الطاعة إذا ضعفت، ويأخذ بيدك إذا تعثرت.
الوقفة الرابعة: لا تكن سببًا في معصية غيرك
من أعظم ما يلفت الانتباه في هذا الدعاء قوله:
«وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم.»
إنه لا يكتفي بأن يسأل الله العصمة من الذنب، بل يسأله أيضًا ألا يكون سببًا في وقوع غيره فيه.
كم من إنسان بدأ معصية بسبب كلمة، أو مقطع، أو دعوة، أو قدوة سيئة!
وقد قال النبي ﷺ:«ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها.»
(رواه مسلم).
لذلك ينبغي أن يسأل المؤمن نفسه كل يوم:
ـ هل أنا أقرب الناس إلى هداية غيري أم إلى إضلالهم؟
ـ هل كلماتي ترفع الإيمان أم تضعفه؟
ـ هل ما أنشره يقرب الناس من الله أم يبعدهم عنه؟
وإذا ابتُلي الإنسان بمعصية، فليجاهد نفسه على التوبة، وألا يجعلها طريقًا يجر غيره إليه، فإن الذنب إذا اقتصر على صاحبه أهون من ذنب يتعدى أثره إلى الآخرين.
الوقفة الخامسة: ماذا تقول النفس الحديثة؟
تشير دراسات علم النفس إلى أن السلوك اليومي يتأثر بعوامل ثلاثة: الأفكار المتكررة، والبيئة المحيطة، والعادات المستمرة. وكلما كرر الإنسان سلوكًا معينًا أصبح أكثر سهولة مع الزمن بسبب تكوّن المسارات العصبية في الدماغ.
وهذا ينسجم مع التربية الإسلامية؛ فالمداومة على الذكر والطاعة ليست مجرد عبادة تؤجر عليها، بل هي أيضًا تدريب للنفس على اختيار الخير، وتقوية لضبط الذات، وتقليل للاندفاع نحو الشهوات. كما أن البيئة الصالحة والرفقة الطيبة من أقوى العوامل التي تعزز السلوك الإيجابي وتساعد الإنسان على الثبات.
رسالة الذكر
كل صباح، وأنت تردد هذا الدعاء، تذكر أنك لا تطلب من الله الحماية من عدو واحد فقط، بل من ثلاثة أبواب عظيمة للشر:
ـ شر النفس إذا اتبعت هواها.
ـ وشر الشيطان إذا زين الباطل.
ـ وشر الذنب إذا تجاوز صاحبه فأفسد غيره.
فاجعل هذا الذكر بداية عهد جديد مع نفسك كل يوم؛ راقب قلبك، واختر أصحابك، وأكثر من الطاعات، وجاهد هواك، واسأل الله دائمًا أن يجعل الخير على يديك.

