مقالات

عندما يجرح القلب نفسه.. لينقذ ما تبقى!

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

في غياهب الطب الشرعي، ثمة حقيقة علمية دافئة وموجعة في آنٍ واحد، حقيقة تفسر لنا كيف يمكن للجسد أن يتحدث بلغة التضحية المطلقة؛ حيث يذكر الأطباء أنه عندما يموت الإنسان بنزيف حاد إثر جرح قطعي في اليد أو القدم مثلاً — بعيداً تماماً عن منطقة الصدر — فإنهم يجدون عند الفحص غشاء القلب مجروحاً وينزف أيضاً!

السبب في ذلك ليس لغزاً طبيّاً بلا تفسير، بل هو قصة وفاء يكتبها النبض في لحظاته الأخيرة؛ فعندما يشرف الإنسان على الموت في تلك الحالة، ولم يتبقَ في غرف القلب إلا قطرات شحيحة من الدماء، لا يستسلم هذا المحارب الوفي، بل يقوم بالانقباض بكل ما أوتي من قوة وبقسوة يائسة، لأجل أن يخرج الدماء إلى الدماغ في محاولة أخيرة لإنقاذه وإبقاء شعلة الحياة متقدة، ومن شدة هذا الانقباض العنيف والاضطراري، يُجرح القلب نفسه.

الانقباض اليائس في حياتنا اليومية

هذا المشهد التشريحي المهيب ليس مجرد حدث بيولوجي، بل هو مرآة حية لما نفعله بأنفسنا في معارك الحياة والعلاقات؛ فكم مرة انقبضت أرواحنا بقسوة، ودسنا على عواطفنا، وتحملنا ما لا تطيقه الجبال، فقط لنحافظ على كبريائنا أو لنبدو “بخير وعقلانية” أمام الآخرين؟

تضحيات في غير محلها: نموت إنسانياً ونفسياً عندما نقرر أن نضغط على قلوبنا ونؤذي مشاعرنا في سبيل إرضاء عقولنا، أو إرضاء واقع يفرض علينا التخلي عن إنسانيتنا وعواطفنا.

محاولات الإنقاذ الخاطئة: تماماً كالمحاولة البائسة للقلب في لحظات النزيف، نعيش أحياناً في علاقات أو مواقف تستنزفنا حتى الرمق الأخير، ونستمر في الضغط على مشاعرنا لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه، والنتيجة؟ نخرج بقلوب ممزقة من الداخل، جرحتها شدة المقاومة والتكابر.

رفقاً بذاك المحارب

إن أصدق المعارك هي تلك التي تدور بين ما تشعر به في صدرك، وما تقنع به نفسك في عقلك تحت مسمى الحكمة والمنطق. ولكن، عندما تدرك أن هذا القلب مستعد للانقباض حتى يجرح نفسه لأجلك، ألا يستحق منك بعض الرفق؟

المنطق والحكمة مطلوبان لإدارة الحياة، لكن ليس على حساب تحطيم العاطفة بالكامل أو الدوس عليها بشكل مستمر. إن الاعتراف بالضعف في وقته، والانسحاب من المواقف الاستنزافية، وتقبل الخسارات أحياناً، هو الصيانة الحقيقية لقلوبنا حتى لا تنقبض انقباضتها الأخيرة وتجرح نفسها خلف قناع القوة الزائف.

إضاءة: في المرة القادمة التي تشعر فيها بضيق في صدرك لأنك تحاول “عقلنة” كل شيء وتجاهل نداء مشاعرك، تذكر تلك الانقباضة اليائسة للقلب، وتوقف عن الضغط على روحك.. فبعض محاولات الإنقاذ، هلاك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬