تجربة الحج.. شواهد على انتصار الروح رغم انهزام الجسد

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي
ولبُّوا فبلُّوا بالنسيم غليلهم
وحيُّوا فأحيوا للنفوس كمالها
فكم تائبٍ مستغفرٍ متيقنٍ
بمغفرةٍ تهمي بفيض سجالها
على مشارف نهاية السنة الهجرية السابعة والأربعين لألف واربعمائة بعد الهجرة النبوية الشريفة، وقبيل انقضاء أيام شهر ذي الحجة المبارك، لا يسعني إلا أن أتوقف قليلًا أمام تجربةٍ ستبقى منقوشةً في الذاكرة ما امتد بي العمر، وأن أعرّج على ذكر تجربتي الطبية الفريدة في تطبيب حجاج بيت الله الحرام.
فمن بين محطاتٍ كثيرة مررت بها في مسيرتي المهنية، كانت أيام الحج هذا العام مختلفةً على نحوٍ يصعب وصفه. لم تكن مجرد مناوباتٍ طبية أو ساعات عملٍ طويلة في أقسام الطوارئ والمراكز الصحية المنتشرة بين المشاعر المقدسة، بل كانت رحلةً إنسانيةً وروحيةً عميقة، أتاحت لي أن أرى الإنسان في أصدق حالاته، حين يتجرد من مظاهر الدنيا كلها ولا يبقى فيه إلا قلبٌ متعلقٌ بالله، وروحٌ تواقة جاءت من أقصى الأرض تلبي نداءً طالما انتظرته.
في زحام تلك الأيام المباركة، وبين أفواج الحجاج المتدفقة من كل فجٍ عميق، وجدت نفسي شاهدةً على مشاهد لا تنساها العين، ولا يغادر أثرها القلب. مشاهد امتزج فيها الألم بالأمل، والضعف البشري بعظمة الإيمان، والتعب الجسدي بلذة الوصول إلى أعظم أمنيات العمر.
رأيت وجوهًا عبرت عليها مواسم العمر كلها، حتى غدت التجاعيد فيها سطورًا تروي ما عجزت الكلمات عن حكايته. ورأيت رجالًا ونساءً أودعت الأعوام آثارها في أجسادهم، حتى بدوا وكأنهم يحملون على عواتقهم أعمارًا كاملة لا سنواتٍ معدودة. رأيت مرضى القلب الذين أثقلت صدورهم علل السنين، ومرضى السكري الذين ترك المرض بصماته على أطرافهم، والمصابين بارتفاع ضغط الدم وغيرهم ممن جاءت أجسادهم مثقلةً بالأوجاع، لكن أرواحهم كانت خفيفةً كأنها تسبقهم إلى المناسك قبل أن تبلغها أقدامهم.
وكان في أرواحهم من اليقين ما لا يقاس بمعايير الطب، ولا تفسره الكتب، ولا تحيط به الحقائق.
ولعل أكثر ما استوقفني تلك الأقدام المتعبة. أقدامًا أنهكها الطريق حتى أثخنتها الجراح، وأحرقها وهج الأرض حتى كادت تخذل أصحابها، غير أن الشوق كان يسوقها حيث تعجز القوة وحدها عن المسير. كنت أرى آثار الالتهاب والتورم والتشقق، وأرى في المقابل عزيمةً لا تعرف الجراح إليها سبيلًا.
وكثيرًا ما كنت أقترب من أحدهم لأوصيه بالراحة أو أنصحه بالتخفيف من الحركة، فينظر إليّ بابتسامةٍ هادئة ويقول كلماتٍ مختلفة اللفظ متفقة المعنى اتفقت عليها شتى اللغات : “انتظرنا هذه الرحلة سنوات طويلة”، أو “لعلها حجة العمر”، أو “لا ندري هل نعود إليها مرة أخرى أم لا”. ولم أر مريضًا يسألني عن وضعه الصحي ليطمئن على حاله ، بل كان سؤالهم الشائع في قمة المرض والتعب : – دكتورة هل سأستطيع إكمال المناسك ؟ـ ـ دكتورة اعملي جاهدة لأستطيع إكمال حجتي ـ
عندها كنت أدرك أنني لا أقف أمام مريضٍ جاء يبحث عن علاجٍ فحسب، بل أمام إنسانٍ حمل حلمًا طويلًا عبر السنين، واختزن في قلبه أمنيةً ربما رافقته عقودًا كاملة، حتى إذا فُتحت له أبواب الوصول إلى بيت الله الحرام، أبى أن يمنعه مرض أو تعب أو كِبر سن من تحقيقها.
وكان أكثر ما يلامس القلب ذلك النور الذي يسطع من وجوههم رغم الإرهاق. نور الرضا الذي لا تمنحه العافية دائمًا، بل يمنحه اليقين. رأيت من يلهث من ضيق التنفس لكنه يبتسم، ومن يشتكي الألم لكنه يحمد الله، ومن أثقله المرض لكنه يشعر أنه يعيش أجمل أيام عمره. وكأن غاية الوصول إلى هذه البقاع المباركة كان كفيلًا بأن يخفف عنهم شيئًا من أوجاع السنين.
أما نحن العاملين في خدمة الحجاج، فكنا نعيش تجربةً أخرى لا تقل تأثيرًا عن مشهد الحجيج نفسه.
كانت المناوبات تمتد حتى يتوارى الإحساس بالوقت، وتتراكم الساعات فوق الساعات، فيما تظل الحشود متدفقة كالسيل لا يعرف انقطاعًا. وكان التعب يبلغ منا مبلغًا نظن معه أن الجسد لم يعد يحتمل مزيدًا، ثم لا نلبث أن نستمد من دعوة حاجٍ، أو ابتسامة شيخٍ مسن، أو كلمات امتنانٍ صادقة ما يعيد إلى الأرواح نشاطها قبل الأجساد.
وعلى الرغم من الإرهاق الذي كان يلازم تلك الأيام، فإنني لا أذكر أنني شعرت بثقل العمل كما شعرت في أوقات أخرى. كان في خدمة الحجاج متعةٌ جلية لا تشبه أي عملٍ آخر. كنت أبدأ مناوبتي فأظن أن الساعات أمامي طويلة، ثم أفاجأ بانقضائها دون أن أشعر بها. وكأن الزمن نفسه كان يتخفف من وطأته في تلك الأيام المباركة.
ولم يكن ذلك الشعور حكرًا عليّ، بل كنت أراه منعكسًا في وجوه زملائي وزميلاتي، أولئك الذين كانت تنهكهم المناوبات، ثم يدفعهم الشوق إلى الخدمة للبقاء ساعات إضافية مع فرقٍ أخرى تحتاج إلى الدعم، وكأنهم يتمنون الفوز بشرف المشاركة في هذا المشهد الفريد.
لم يكن أحدٌ يطلب منهم ذلك، ولم تكن هناك مكافأة تنتظرهم، سوى شعورٍ داخلي بأن خدمة هؤلاء ليست كأي خدمة، وأن العطاء هنا يأخذ معنى آخر لا يشبه أعمال الدنيا المعتادة.
كنا نشعر أننا لا نخدم مجرد مرضى أو مراجعين، بل نخدم ضيوف الرحمن.. وكان لهذا الوصف وحده وقعٌ خاص في النفوس.
فكيف لا يبذل الإنسان مزيدًا من الجهد وهو يخدم قومًا تركوا أوطانهم وأهليهم وأموالهم، وجاؤوا من أقاصي الأرض يحملون أشواقهم وأحلامهم ودعواتهم قاصدين بيت الله الحرام؟ وكيف لا يحتمل التعب وهو يرى أمامه أناسًا جاءت بهم المحبة قبل الطائرات، وحملهم الشوق قبل وسائل النقل؟
كنا نشعر أحيانًا أننا لا نقدم خدمةً طبية فحسب، بل نشارك في عملٍ تتجاوز آثاره حدود المهنة إلى معانٍ أعمق وأبقى. وكنا نرجو في قرارة أنفسنا أن يصيبنا من دعوات هؤلاء الحجاج ونفحات الرحمة التي تحيط بهم نصيب.
وفي خضم تلك الأيام، تعلمت درسًا لن أنساه ما حييت.
تعلمت أن قوة الإنسان لا تُقاس دائمًا بسلامة جسده، وأن أعظم صور القوة قد تسكن أحيانًا في أجسادٍ واهنة أنهكها المرض والعمر. وتعلمت أن الإيمان قادر على أن يمنح صاحبه قدرةً مدهشة على الاحتمال لا تفسرها الأرقام.
فالحج يكشف لك حقيقة الإنسان.
يكشف لك أن الروح إذا تعلقت بهدفٍ عظيم، استطاعت أن تحمل الجسد إلى ما وراء حدوده المعتادة. ويكشف لك أن بعض الأحلام الصادقة تظل حية في القلب مهما تأخرت، حتى إذا أذن الله لها بالتحقق، أصبحت المشقة في سبيلها لذةً لا عبئًا.
ومع انتهاء الموسم، وانقضاء تلك الأيام المباركة، بقيت صور كثيرة عالقة في الذاكرة. وجوه متعبة لكنها مطمئنة، وأقدام مجروحة لكنها سائرة، وقلوب أرهقتها الحياة لكنها وجدت في الحج ما كانت تبحث عنه منذ سنوات طويلة.
فقد رأيت في تلك الأيام ما لم أره في غيرها، رأيت أجسادًا أوهنتها الأسقام، وأعمارًا أثقلتها السنون، لكنني رأيت فوق ذلك كله أرواحًا مضت إلى الله بخفة الطير، غير عابئة بما يعترض الطريق من تعبٍ أو ألم. وهناك، بين أفواج الحجيج المتدفقة من كل فجٍ عميق، أدركت أن الجسد قد ينهزم مراتٍ كثيرة، أما الروح إذا امتلأت يقينًا، فإنها تعرف دائمًا كيف تنتصر.
ولعل هذه ليست حكمة الحج وحده، بل حكمة الحياة بأسرها، فما من غايةٍ عظيمة إلا اعترض طريقها وهنُ الجسد، وضيقُ الحال، وثقلُ الأيام، غير أن الأرواح إذا اتقدت فيها جذوة الشغف، واستوطنتها رغبة الوصول، هانت أمامها المشاق، وتصاغرت في أعينها العقبات. فالإنسان لا يبلغ مدارجه العليا بقوة بدنه وحدها، وإنما بذلك النور الخفي الذي يسكن قلبه، ويشدّه إلى غايته كلما أوشك على التراجع. وحين تمتلئ الروح إيمانًا بما تسعى إليه، يصبح الوصول بإذن الله ليس احتمالًا راجحًا فحسب، بل قدرًا محققًا تمضي نحوه الخطى وإن تعثرت، وتبلغه القلوب قبل أن تبلغه الأقدام.




