توجيهاتٌ متعلقةٌ بالحج

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ؛ ثمَّ أمَّا بعد :
إخواني القراء الكرام : إنَّ الحجِّ فريضةٌ ربانية ، وشعيرةٌ إلهية فرضها الله على نبيه إبراهيم عليه السلام ، وسار عليها أنبياؤه العظام من بعده عليهم من ربهم أفضل صلاةٍ وأزكى سلام، وقد فرضها الله على المكلفين ، المستطيعين بأموالهم ، وأبدانهم ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ – الحج : 27-29 وقال تعالى : – وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ – آل عمران : 97 وقال صلى الله عليه وسلم : – بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ – متفقٌ عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم : – أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ ، فَحُجُّوا ، فَقَالَ رَجُلٌ : أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قُلْتُ : نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ، ثُمَّ قَالَ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ – رواه مسلمٌ في صحيحه .
معاشر القراء : إنَّ من تمام الحج وكماله الالتزام بالتعليمات الصادرة من الجهات الرسمية المشاركة في تنظيم الحج كالأجهزة الأمنية ، وغيرها من الجهات الخدمية ؛ لما في ذلك من تحقيق المصالح العامة ، وحفظ النفس ، وتيسير أداء النسك ، ويدخل في ذلك عدم أداء الحج دون تصريح من الدولة ؛ والحج بدون تصريح مخالفٌ لأمر الله القائل : – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا – النساء : 59 ولما يترتب على هذه المخالفة من إلحاق الضرر بالحجاج النظاميين ، ومزاحمتهم حقوقهم في أداء مناسكهم بيسرٍ وسهولةٍ ، وقد قال الله تعالى : – وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ – البقرة : 190 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : – لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ – رواه أحمد ، وابن ماجه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7517 ولما في الحج بدون تصريح من عقوبات مالية وغيرها ، والمسلم في غنىً عنها ، والله قد رفع عنه وجوب الحج إذا كان غير مستطيعٍ لقيمة الحملة ، فالمسلم العاقل من يسمع ، ويطيع لولي أمره ، ويترك عنه المخالفة ، وتعريض نفسه وغيره للمساءلة النظامية ، وعليه أن يصبر ، وسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً في الأعوام القادمة إن أمده الله بالعافية : – وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ – الطلاق : 2 – 3 – .
أيها القراء : لقد عنيت دولتنا السعودية أيدها الله منذ تأسيسها – إلى عهد خادم الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان – لخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من ضيوف الرحمن ، وما تشهده خدمات الحج والعمرة والزيارة من تطورٍ متواصلٍ ، وتوسُّع كبير في المشروعات ، والبنى التحتية ، وتسخيرٍ للتقنيات الحديثة ، وتنظيمٍ للحشود ، وارتقاءٍ بمستوى الخدمات الصحية والأمنية والإرشادية بما ييسر على الحجاج أداء نسكهم بطمأنينةٍ ويسر في ظلِّ توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ، ومتابعة دقيقةٍ من ولي عهده الأمين أيدهما الله ، فأكثروا من الدعوات الصادقة لهما ، بالتوفيق والتسديد ، وأن يجزيهما الله خير الجزاء وأوفاه ؛ على ما يقومان به من جهد مشكور ، وعمل صالح مبرور ، وهذا أقل ما نقدمه لهما حفظهما الله لخدمة الإسلام والمسلمين ، وقد قال الفضيل بن عياض رحمه الله في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة – ج1/ 193- : ” لَوْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَمْ أَجْعَلْهَا إِلَّا فِي إِمَامٍ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَلُحَ الْإِمَامُ أَمِنَ الْبِلَادُ وَالْعِبَادُ “.
حجاج بيت الله الحرام : خذوا بالأسباب الصحية والوقائية لتحافظوا على سلامة أنفسكم ، وغيركم ، وذلك بأخذكم للقاحات الصحية قبل حج بيت الله ، والتي تقيكم بإذن الله من الأمراض المعدية ، والخطيرة ، وقد وفرت دولتنا السعودية هذه التطعميات في مراكزها الصحية ، وكما قيل ” الوقاية خيرٌ من العلاج ” .
واحذروا يا حجاج بيت الله : من التعرض المباشر لأشعة الشمس ، واتخذوا ما يقي منها ، وعليكم بالإكثار من شرب الماء بقدرٍ كافٍ ، والالتزام بالإرشادات الصحية الصادرة من الجهات المختصة ؛ لأنَّ ذلك من المقاصد الحسنة التي جاءت بها شريعتنا الإسلامية الغراء ، جعلنا الله من المتمسكين بها ظاهراً وباطناً إنَّ ربنا أرحم الراحمين .
إخواني القراء : إن يسر الله لكم الذهاب للحج ، وأداء مناسكه ، فعليكم بالسكينة والرفق بإخوانكم الحجاج ، وأنتم تخالطونهم في المشاعر المقدسة ، وفي طرقاتها ، وابتعدوا عن التدافع ، والتقيد بتنظيمات التفويج ، ومسارات الحركة ، والتحلي بالصبر ، والحلم ، وغيرها من الأخلاق الحسنة ، ومراعاة حقوق الآخرين ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في حجته : – أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ – رواه مسلمٌ في صحيحه ، ويقول :- الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ – رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .
حجاج بيت الله : استثمروا أوقاتكم ، وأنتم في تلك المشاعر الطاهرة بالذكر ، والطاعة ، والإكثار من التلبية ، والدعاء ، وقراءة القرآن ، واجتناب اللغو ، وما لا ينفع ؛ وقد قال الله تعالى : – الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ – البقرة : 197 وقال تعالى : { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ – الحج : 28.
حججاج بيت الله : لايجوز رفع الشعارات السياسية وغيرها في الحج ، وإنَّ الواجب على الحاج ألاَّ يرفع شعاراً غير التلبية لله تبارك وتعالى ؛ فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : { جَاءَنِي جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، مُرْ أَصْحَابَكَ، فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ ، فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ } رواه أحمد ، وغيره ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 830 وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنًَّه قال : “عَمَدُوا إِلَى أَعْظَمِ أَيَّامِ الْحَجِّ فَمَحَوْا زِينَتَهُ , وَإِنَّمَا زِينَةُ الْحَجِّ التَّلْبِيَةُ ” رواه أحمد وغيره ، وصحح إسناده شعيب الأرنؤوط برقم 1870 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : – قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي جِبْرِيلُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْإِهْلَالِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ – رواه أحمد وغيره ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 606.
وأخيراً يا أصحاب الحملات : عليكم أن تبذلوا أقصى جهودكم ؛ لتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن ، والعناية بإكرامهم ، والقيام بحقوقهم ، والوفاء بالعهود والالتزامات بما ستقدمونه لهم ، ليؤدوا حجهم بيسرٍ وسهولة ، فكونوا أمناء ، مخلصين في ذلك لله ، لقول الله تعالى : – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ – المائدة : 1 ولقوله تعالى : – إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها – النساء : 58 وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ، وتقبل من الحجاج حجهم ، وأعادهم إلى بلدانهم وأهليهم سالمين غانمين ، وشكر الله لدولتنا السعودية ، وولاة أمرنا والمسؤولين في بلادنا خيراً لرعايتهم ، وعنايتهم بالحجاج ، والمعتمرين ، والزائرين ، والحرمين الشريفين ، والمشاعر المقدسة ، جعل الله ذلك في موازين حسناتهم ، ونفع بهم العباد والبلاد ، وأدام النعم في بلادنا ، وجميع بلدان المسلمين ، اللهم آمين .




