من النقد إلى تأويل المعنى: جدلية التمثيل الشعري في رؤية محمد الخولي عبد الله لتمثيل الشعري عند محمود درويش

بقلم : د. آمال بوحرب ـ باحثة وناقدة
تتصل علاقة الشعر بالفلسفة وبالنقد اتصالا عميقا يتجاوز أحيانا مجرد التقاطع الظاهري بين ثلاثة حقول معرفية لأن الشعر في جوهره قول جمالي ينهض بمساءلة العالم واستنطاق المعنى وإعادة تشكيل الخبرة الإنسانية داخل اللغة. الفلسفة تسعى إلى القبض على الحقيقة من خلال المفهوم والتجريد والشعر يقترب منها عبر الصورة والإيقاع والاستعارة والانفعال فيجعل ما هو مجرد محسوسا وما هو نظري معيشا وما هو فكري نابضا بالحس والوجدان مما ينشئ توترا خلاقا في البحث عن الإنسان والوجود والزمن والحرية والقلق والمصير.

يبرز كتاب الدكتور محمد الخولي عبدالله التمثيل الشعري عند محمود درويش: دراسة سيميائية تواصلية كمدخل ضروري لأنه يفتح القصيدة على آفاق فلسفية ونقدية وسيميائية مختلفة ويجعل التمثيل الشعري مدخلا لفهم تحوّل الواقع في النص إلى رؤية وتشكّل الدلالة داخل البنية الشعرية محولا الشعر من تعبير إلى معرفة ومن تجربة إلى فكر.[operamisr +2]
قلب الكتاب
تدخل القراءة إلى قلب الكتاب من بوابة أساسية هي أن التمثيل الشعري عند محمود درويش يقوم على إعادة بناء الواقع كما تصنعه اللغة حين تتكثف وتتوتر وتتحول إلى علامة ورؤية حيث يرى الناقد أن الشاعر يواجه العالم بوصفه مادة قابلة لإعادة الصوغ فيصبح واقعا ثانيا تحكمه سلطة التخييل وتتحرك الذات من موقع الشاهد إلى موقع الصانع. يصرّح الكتاب بهذه الفكرة منذ بداياته حين يربط بين الموضوع واللغة والذات مؤكدا أن الشعر يفتح العالم على احتمالات الدلالة لأن اللغة الشعرية قوة تشكيل وإزاحة وإضاءة ويُلحّ على انتقال التمثيل من المباشر إلى الموارب ومن القول العادي إلى القول الذي يشكّل المعنى عبر الانزياح والرمز وتعدد مستويات القراءة. يرى الناقد أن القصيدة تظل مشدودة إلى الواقع وتعيده كمجال صراع بين الخارج والداخل وبين الموضوع والذات وبين ما يحدث في العالم وما يتكوّن في الوعي الشعري فتصبح اللغة مكانا تمارس فيه الذات سلطتها على العالم عبر التمثيل بتحويل المعطى الخارجي إلى بناء فني يشتغل بالإيحاء أكثر من الشرح مما يجعل النص مفتوحا على التفسير حيث تتوزع الدلالة بين مستويات تتداخل فيها الصورة بالرمز والحسّ بالفكرة والتجربة بالتأمل ويعيد الشاعر خلق الواقع كمادة لرؤية جديدة تجعل التمثيل أفقا معرفيا لا يقل أهمية عن جماليا.
الذات الشعرية
تتعمق القراءة أكثر حين ننتقل من فكرة التمثيل بوصفه إعادة بناء للواقع إلى سؤال الذات التي تقوم بهذا الفعل لأن الكتاب ينظر إلى القصيدة كلحظة يتكوّن فيها الوعي الشعري وهو يواجه العالم ويعيد تأويله فيرى الناقد الذات عند درويش ذاتا منخرطة في صراع دائم مع ما تراه وما تفقده وما تتذكره تصبح القصيدة فضاء تتجسد فيه الخبرة الإنسانية وهي تعبر من الانفعال إلى الصياغة ومن الألم إلى المعنى ومن التجربة إلى الرؤية. يرى الكتاب أن التمثيل الشعري لا ينفصل عن التجربة الوجودية لأن اللغة تعيد تشكيل الواقع في الوقت نفسه تمنح الذات إمكان رؤية نفسها وهي تتكلم وتصغي إلى جرحها وهي تحولّه إلى صورة فالقصيدة الدرويشية تتقدّم عبر طبقات توتر رمزي بحيث يتكشف المعنى شيئا فشيئا داخل علاقات اللغة بين الصورة والغياب وبين الرمز والدلالة وبين التكرار والتحول. يرى الناقد أن الذات تتحدث من البحث والسؤال وتعيد ترتيب وجودها عبر القصيدة نفسها مما يجعل قراءة الخولي ذات بعد فلسفي واضح إذ ترى في الشعر طريقة مساءلة الكينونة والكشف عن الإنسان حين يُجْبَر على صياغة حضوره بالكلمات بعد أن تضيق به الأشياء فالمعنى يولد من احتكاك حي بين الوعي والعالم وبين الذات وما ينكسر فيها وبين اللغة وقدرتها على تجاوز الانكسار إلى شكل قابل للبقاء.
البعد النفسي
يواصل الناقد فتح القصيدة من الداخل هذه المرة من جهة النفس لأن يرى الناقد التمثيل الشعري عند درويش أثرا لتحولات الوعي وارتجافات الداخل وما يختزنه الإنسان من خوف وحنين وخسارة ورغبة في النجاة فالشعر يحوّل التجربة النفسية إلى بنية لغوية تتنفس بالرمز وتتحرك بالإيحاء حتى تبدو القصيدة مساحة يُختْبَر فيها الألم وهو يعبر من الصمت إلى القول. يرى الكتاب الذات الدرويشية ذاتا متوترة تعيش التمزّق بين ما تريده وما تفتقده وبين الذاكرة وما يسلبه الزمن وبين الحضور وما يهدده الغياب فتصبح القصيدة شكلا من الإنصات العميق إلى ما يدور في باطن النفس قبل أن يظهر على سطح الكلام وتتشكّل الصورة من داخل التوتر النفسي وتستمد كثافتها من عمق التجربة الشعورية. يرى الناقد الرمز طريقة لكشف ما لا يقوى الكلام المباشر على حمله والانزياح يكشف ما يدور في باطن النفس فشعر درويش يكتب النفس وهي تحاول فهم نفسها وتستعيد توازنها عبر اللغة تحوّل القلق إلى موسيقى داخلية والجرح إلى مشهد والفقد إلى معنى قابل للمشاركة فيصبح البعد النفسي بابا إلى فهم الإنسان وهو يقاوم هشاشته بالكلمات ويعيد بناء ذاته من خلال فعل التمثيل نفسه.
السيميائي والتواصلي
يمضي الكاتب إلى مستوى العلامة حيث تصبح القصيدة نظاما من الإشارات تتجاور وتتفاعل وتولد المعنى من علاقاتها الداخلية يرى الناقد البعد السيميائي مفتاحا لفهم التمثيل إذ تنشأ الدلالة من التوازي والتكرار والانزياح والتضاد وتتوزّع العلامات داخل البنية الشعرية فتبدو القصيدة نسيجا دقيقا يحيل كل عنصر إلى آخر وكل إشارة تفتح بابا جديدا حتى يغدو المعنى حركة لا تتوقف. يرى الكتاب شعر درويش خطابا مفتوحا على التأويل لأن العلامة الشعرية تستدرج القارئ إلى المشاركة في البناء الدلالي تلمح وتومئ وتخفي بقدر ما تكشف مما يجعل القارئ شريكا في إكمال المعنى ويمنح التمثيل بعده المعرفي إذ يعيد صياغة العالم في علامات قابلة للقراءة ويجعل اللغة مساحة عمل دلالي مستمر حيث تظل الصورة قابلة للتوسّع والرمز للتأويل والمعنى مفتوحا على احتمالات لا تنتهي. يرى الناقد القصيدة خطابا ينهض على علاقة حية بين الشاعر والقارئ وبين ما يُقال وما يُتلقى فالمعنى يحتاج إلى عين تقرأه وأذن تصغي وذهن يعيد ترتيب علاماته يصبح النص مجال تبادل رمزي يهيئ فضاءا تتعدّد فيه إمكانات الفهم ويتحوّل القارئ إلى شريك في توليد الدلالة ويتوجّه الشعر بشبكة صور وإشارات تستدعي مشاركة فاعلة في التأويل مما يجعل القصيدة تعيش بإعادة قراءتها لتكشف وجها جديدا في كل مرة.
المقاربات الفلسفية
إذا أردتَ المقاربة بين كتاب محمد الخولي وديكارت فالمسألة تتجه إلى مستوى مختلف تماما لأن يرى الناقد الشعر بناءا دلاليا ومعرفيا يتصل بإدراك العالم وتمثيله يلتقي قراءته مع ديكارت في مركزية الذات حيث يمنح الوعي دورا حاسما في تشكيل المعنى وإن كان ديكارت ضمن أفق فلسفي عقلي بينما خولي ضمن نقدي يقرأ الشعر تجربة لغوية ورؤيوية. يرى الكتاب عند ديكارت الحقيقة تتأسس من يقين الذات المفكّرة فهي نقطة انطلاق لبناء العالم أما عند خولي فالذات الشاعرة وعي متحرّك يدخل توترا مع الواقع ثم يعيد تشكيله داخل القصيدة عبر التمثيل والرمز والانزياح يقترب خولي من ديكارت في أهمية الذات ويبتعد في طبيعتها إذ هي عند خولي ذات جمالية متوترة تعبّر عن العالم بالصورة والدلالة والإيحاء. يرى الناقد لقاءا بينهما في العلاقة بين الظاهر والحقيقة إذ يسعى ديكارت لتجاوز الخداع الحسي لليقين بينما خولي يتجاوز المعطى المباشر للدلالة العميقة رفضا للاكتفاء بالسطح لكن ديكارت يريد يقينا عقليا بينما خولي قراءة تكشف صنع الشعر لمعناه من اللغة وتحويل التجربة إلى تمثيل تأويلي فالمقاربة مفيدة لإبراز البعد الفلسفي في خولي مع التنبيه إلى مجاله النقدي السيميائي. تتأسس المقاربة بين خولي وابن رشد على أن يرى الناقد النص لا يُفهم في ظاهره المباشر بل يحتاج نظرا يتجاوز السطح نحو البنية والمعنى والعلاقة بين القول وما يراد يجعل ابن رشد التأويل سبيلا لفهم النصوص ويمنح العقل حق التفكيك بين الظاهر والباطن بينما يقرأ خولي الشعر بناء دلالي يكشف عبر العلامة والسياق والتشكيل الفني يلتقيان في الإيمان بأن الحقيقة لا تُنال بالانطباع الأول والمعنى يُستخرج بعمل فكري نقدي دقيق. يرى الكتاب ابن رشد يعمل داخل أفق فلسفي يوازن بين البرهان والنص وبين العقل والشرع بينما خولي داخل نقد أدبي حيث الشعر مجال تمثيل وانزياح وتعدّد دلالات لكنهما يشتركان في رفض القراءة السطحية والإيمان بأن الكلام يحمل أكثر مما يبدو ويحتاج القارئ أدوات فهم عميق ويتقاربان في مركزية العقل المؤوِّل إذ ينظّم ابن رشد الفهم ويرفع الالتباس بينما تكشف قراءة خولي العلاقات الداخلية لإنتاج المعنى فالقارئ فاعل في الفهم لا سلبي تجعل المقاربة مفيدة لإبراز البعد الفلسفي في خولي إذ ينهض على روح تأويلية قريبة من ابن رشد مع اختلاف المجال والأداة الغاية
الأبعاد اللغوية والسيميائية
يؤكد الكتاب منذ بداياته أن يرى الناقد التمثيل الشعري عند درويش يتحقق داخل اللغة لأن الواقع يمر عبر تشكّل لغوي يجعل اللغة طرفا في إنتاج الدلالة يصرّح المؤلف بأن «الشعر يفتحه على احتمالات الدلالة لأن اللغة الشعرية في جوهرها قوة تشكيل وإزاحة وإضاءة» تكشف هذه العبارة أن اللغة مجال تولّد المعنى وتحوّله وتشعّبه تصبح قيمة التراكيب بنائية لأن الجملة الشعرية تسهم في بناء الرؤية نفسها. يربط الكتاب التمثيل بالانتقال «من المباشر إلى الموارب ومن القول العادي إلى القول الذي يجعل المعنى يتشكّل عبر الانزياح والرمز وتعدّد مستويات القراءة» تؤكّد اللغة الشعرية التكثيف والإيحاء وتقرأ الكلمة جزءا من شبكة دلالية مشدودة إلى الواقع تعيد بناءه داخل النسيج اللغوي لتغدو القصيدة حدثا لغويا يخلق الرؤية. يرى الناقد في البعد السيميائي شعر درويش نظام علامات يحوّل التمثيل الأشياء والأماكن والذاكرة إلى إشارات تنتج معنى جديدا داخل النص تصبح الصورة علامة قابلة للتأويل يظهر ذلك في علاقة «الواقع/الموضوع» و«اللغة/العلامة» حيث يُعاد تشكيل الواقع في بنية رمزية تسمح بتعدّد الدلالات يربط بين التمثيل وبين «الانزياح» و«التحويل» لتتجاوز العلامة معناها القاموسي إلى أفق تخييلي تأويلي تحول القصيدة التفاصيل اليومية والأمكنة والذوات إلى رموز ثقافية جمالية تحمل مستويات متعددة كالمكان الذي يصير ذاكرة وهوية وجرحا ورؤية تبدو السيميائية أداة أساسية لفهم انتقال درويش من الشيء إلى دلالته ومن الحضور المادي إلى القيمة الرمزية.
الجمالي والواقعي والخاتمة
يرى الناقد أن شعر محمود درويش يقوم على تداخل عميق بين البعد الواقعي والبعد الجمالي حيث يدخل الواقع نسيجًا شعريًا يُعاد تشكيله عبر اللغة والصورة والإيقاع حتى يغدو جزءًا من بناء فني مكتمل، تُحوَّل التجربة الفلسطينية بمكانها وذاكرتها ومنفاها وجرحها التاريخي وحضورها الإنساني الكثيف إلى رؤية شعرية تتيح للمعنى تجاوز الواقعة المباشرة إلى أفق تأمل وتأويل، والجمال وسيط يمنح الواقع قوة التعبير وعمق الأثر ويجعل الألم مادة تشكيل فني والتجربة الفردية مجال انفتاح دلالي على البعد الجمعي الإنساني. يرى الكتاب شعر درويش يؤسّس شعريته على توتر خلاّق بين التجربة الحية والصياغة الفنية بحيث يصبح الواقع أكثر كثافة داخل القصيدة والجمال أكثر التصاقًا بالحياة والذاكرة والهوية. في ضوء ما سبق يتبيّن أن شعر محمود درويش يحوّل الواقع إلى تجربة جمالية فكرية تكشف توتر الإنسان مع ذاته ومع العالم، يعيد ترتيب الأشياء داخل الوعي ويمنح الألم والذاكرة والمنفى قدرة تحول إلى معنى أوسع من الحدث المباشر، فتصبح القصيدة مساحة اكتشاف الذات وإعادة رؤية الواقع، ويبقى السؤال المفتوح: إلى أي حدّ يهاجمنا الشعر من داخلنا حين يكشف هشاشتنا وقلقنا وأسئلتنا المؤجلة، وإلى أي مدى ينقدنا النقد من الواقع حين يفضح ما نألفه حتى نظنه طبيعيًا؟




