مكانة المساجد في الإسلام

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
أخي القارئ الكريم : لقد عظَّم الله شأن المساجد في دين الإسلام ، وبيَّن فضلها ، ومكانتها للأنام ؛ ليحرص العباد على عمارتها حسيَّاً بالبناء والنظافة ، والتحسين والإتقان ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مَثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ – رواه البخاري ومسلم ، وقال أيضاً : – من بنى مسجدًا كمَفحَصِ قَطَاةٍ أو أصغرَ بنى اللهُ له بيتًا في الجنَّةِ – رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم 267 قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 12 / 82 ) : ” إِنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصَ الْقَطَاةِ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَحْضُنُ فِيــهِ بَيْضَهَــا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدِاً “اهـ .
ومن عمارة المساجد عمارتها معنوياً بالصلاة ، والذكر ، وأوجُه الإحسان ؛ قال الله تعالى : – إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ – التوبة : 18 وقال تعالى : – فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ – النور : 35- 37 .
أخي القارئ : سمِّيت المساجد بذلك ؛ لأنَّها محلٌّ للسجود ، والصلاة ، وطاعة الرحمن : – وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا – الجن : 18 .
فلنعظِّم يا إخواننا ما عظَّمه الله : – ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ – الحج : 32 .
ولأهمية بناء المساجد في أرض الله كان أوَّل عملٍ عمله النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا قدم المدينة النبوية مهاجراً أن بنى مسجد قباء ، ثم بنى بعد ذلك المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام فعل ذلك امتثالاً لأمر الله ، وتأكيداً لأهمية بناء بيوت الله ؛ حيث انطلقت منها دعوة الإسلام الحنيف إلى مشارق الأرض ومغاربها ؛ فكان المسجد هو مكان العبادة ، وهو المدرسة الأولى التي تعلم منها الصحابة أحكام الإسلام ، وكان المسجد محل الشورى والاجتماع ، وما فيه صلاح العباد والبلاد في عاجل أمرهم وآجله .
أخي الكريم : ولأهمية المساجد في شريعة الإسلام أمر الله بإقامة الصلوات الخمس ، والجمعة فيها ، وأنَّ المتخلف عن أداء الصلاة فيها موسومٌ بالنفاق ، ومتوعدٌ من الله بأليم العذاب ؛ قال الله تعالى : – وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ – البقرة 42 وقال صلى الله عليه وسلم : – إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا – رواه ابن ماجه في سننه ، وأصل الحديث في البخاري ، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال : – مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا ، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الهُدَى ، وَإِنَّهُنَّ مَنْ سُنَنَ الْهُدَى ، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيتم فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يصلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً ، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً ، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ – رواه مسلم .
فأين نحن يا إخواننا القراء من هؤلاء الأخيار الذين يحرصون على الصلاة في المساجد ، ولا يتخلفون عنها مع شدة مرضهم ، وبعد بيوتهم عن المساجد ؛ فإنَّها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
إخواني القراء : ومما يدل على منزلة المساجد ، ومكانتها في دين الله ؛ أنَّ الله رتب على المجيء إليها للصلاة ، والعبادة الثواب العظيم ، والجزاء الكبير ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – ألا أدُلُّكُم على ما يَمحو اللهُ به الخَطايا ، ويَرفَعُ به الدَّرَجاتِ؟ قالوا : بَلى يا رَسولَ اللهِ ، قال : إسباغُ الوُضوءِ على المَكارِه ، وكَثرةُ الخُطا إلى المَساجِدِ ، وانتِظارُ الصَّلاةِ بَعدَ الصَّلاةِ ، فذلكمُ الرِّباطُ – رواه مسلم ؛ قال الهروي في مرقاة المصابيح بشرح مشكاة المصابيح ( 1 / 344 ) : ” وَالرِّبَاطُ الْجِهَادُ أَيْ ثَوَابُ هَذِهِ – أي الأعمال السابقة في الحديث -كَثَوَابِ الْجِهَادِ ؛ إِذْ فِيهِ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ بِإِذَاقَتِهَا الْمَكَارِهَ وَالشَّدَائِدَ ؛ كَمَا فِي الْجِهَادِ ” اهـ .
ومما يدل يا إخواننا القراء على فضل الذهاب إلى المساجد ، والعودة منها بعد أداء العبادة فيها قوله صلى الله عليه وسلم : – مَن غَدا إلى المَسجِدِ وراحَ أعَدَّ اللهُ له نُزُلَه مِنَ الجَنَّةِ كُلَّما غَدا أو راحَ – رواه البخاري ومسلم واللفظ له ؛ وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : – سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ : إِمَامٌ عَدْلٌ ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ – قال القسطلاني في إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري ( 2 / 32 ) قوله : ” – ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد – أي بها من شدة حبِّه لها ، وإن كان خارجاً عنها ، وهو كنايةٌ عن انتظاره لأوقات الصلاة ، فلا يصلي صلاةً ، ويخرج منه ؛ إلا وهو ينتظر وقت صلاةٍ أخرى ؛ ليصلي فيه ؛ فهو ملازمٌ للمسجد بقلبه ، وإن عرض لجسده عارض ” انتهى كلامه .
ومما يدل أيها الإخوة على أهمية المساجد ومكانتها عند الله أنَّها أفضل البقاع إلى الله ، وأحبها إليه قال صلى الله عليه وسلم : – أحَبُّ البِلادِ إلى اللهِ مَساجِدُها ، وأبغَضُ البِلادِ إلى اللهِ أسواقُها – رواه مسلم في صحيحه ؛ وفي رواية رواها أحمد وغيره ، وحسنها الحافظ ابن حجر رحمه الله : – أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ الْمَسَاجِدُ ، وَأَبْغَضُ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ الْأَسْوَاقُ – .
ومما يدل يا إخواننا على مكانة المساجد وأهميتها في دين الله : أنَّ الله شرع الأذان فوق مآذنها إعلاماً بدخول وقت الصلاة ؛ قال تعالى : – فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال – النور : 35 وقال تعالى : – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ – الجمعة : 9 .
ولأهمية المساجد في الإسلام شرع تحية المسجد لكل من أراد الجلوس فيها ، وكان متطهرا ، ولم يشرع ذلك في غيرها من الأماكن ، وشرع في المساجد الدخول بالرجل اليمنى ، والخروج منها بالرجل اليسرى ، والأذكار عند الدخول والخروج منها ، ونهى صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المساجد ، وعن نشدان الضالة فيها ، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : – إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا : لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ . وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا : لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ ، وصححه الإمام الألباني في مشكاة المصابيح برقم 733 وَعَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه : – أَنَّ رَجُلا أنشدَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمْلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَجَدْتَ ، إِنَّمَا بُنِيت الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ – رَوَاهُ مُسْلِمٌ في صحيحه .
إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية المتعلقة بالمساجد ، والتي تدل على أهميتها ، وعظيم مكانتها عند الله تعالى .
وأخيراً يا اخواننا القراء : علينا أن نصون مساجدنا من الشركيات ، والبدع ، وارتكاب المعاصي والسيئات ؛ كيف وقد قال تعالى : – وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا – الجن : 18 وقال تعالى : – إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ – الحج : 25 نسأل الله جلت قدرته أن يجعلنا وإياكم ممن عمَّر بيوت الله بما يرضيه ، وجنبنا فيها ما يسخطه ويغضبه ؛ اللهم توفنا مسلمين ؛ والحقنا بالصالحين ؛ واغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، وتغمدنا بواسع رحمتك ورضوانك ، واجعلنا من ورثة جنة النعيم ، وقنا بعفوك وحلمك عذاب القبر والجحيم , ووالدينا ووالديهم وجميع المسلمين ، اللهم آمين .




