عيون تحلم وعيون ترحل

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
في داخل كل إنسان صراعٌ خفي لا يراه الآخرون، صراع بين عينٍ تتطلع إلى الغد، وتحلم بما هو أجمل، وعينٍ أخرى تدرك حقيقة الدنيا وتقلباتها. فالحياة ليست طريقًا مستقيمًا من الفرح، كما أنها ليست نفقًا طويلًا من الحزن، بل هي مزيج من الأمل واليقين، من التعلق والاتزان، ومن السعي والرضا.
هناك من يعيش بعينٍ واحدة فقط؛ عينٍ لا ترى سوى أحلام الدنيا، فيركض خلفها دون توقف، يظن أن السعادة تكمن في المزيد من المال أو المناصب أو العلاقات، حتى يفاجئه الزمن بأن ما كان يلهث خلفه لم يمنحه الطمأنينة التي كان يبحث عنها. وهناك من ينظر بعينٍ أخرى فقط، فيزهد في كل شيء حتى يفقد شغفه بالحياة، وينسى أن الله جعل الأرض ميدانًا للعمل والعطاء والبناء.
أما الحكمة الحقيقية فهي أن نعيش بعينين معًا؛ عينٍ ترى الحياة فرصة، فتعمل وتجتهد وتحلم وتزرع الأمل في كل يوم، وعينٍ تدرك أن الدنيا محطة عبور لا محطة قرار، وأن كل ما فيها مؤقت مهما طال بقاؤه.
عين تريد الحياة، فتنهض بعد كل عثرة، وتبتسم بعد كل خيبة، وتؤمن أن الغد قد يحمل ما لم يحمله الأمس. وعين تودعها، فلا تنكسر إذا رحل شخص، ولا تنهار إذا فقدت شيئًا، لأنها تعلم أن كل شيء بقدر، وأن ما عند الله أبقى وأعظم.
إن أجمل ما يصل إليه الإنسان ليس أن ينتصر لطرف على حساب الآخر، بل أن يحقق التوازن بينهما. أن يحب دون أن يتعلق حدّ الألم، وأن يطمح دون أن ينسى الرضا، وأن يعيش دنياه بقلبٍ حاضر، وروحٍ معلقة بالله.
فالحياة لا تستحق أن نهجرها، ولا تستحق أن نغرق فيها. وبين عينٍ تريد الحياة، وعينٍ تودعها، يولد الإنسان المتزن الذي يعرف كيف يسير في الدنيا، دون أن تفقده الدنيا نفسه، أو يفقد بسببها سلام قلبه.
فازرع أحلامك بيد، وتمسّك باليقين باليد الأخرى، فالحكمة ليست أن تختار بين العينين، بل أن ترى بهما معًا.




