مقالات

وضوحٌ لا يعرف التكرار

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

في عالمٍ يزداد ازدحامًا بالأصوات والكلمات، يبقى لبعض الناس حضورٌ مختلف لا يشبه غيرهم، حضورٌ تصنعه هيبة الهدوء لا ضوضاء الحديث، وتمنحه قيمة الكلمة حين تُقال مرة واحدة فقط. أولئك الذين لا يكررون أنفسهم كثيرًا، ولا يستهلكون حديثهم في الإعادة والإلحاح، لأنهم يدركون أن المعاني العظيمة لا تحتاج إلى تكرار بقدر ما تحتاج إلى وعيٍ يُدركها.

هم الأشخاص الذين ينصحون مرة واحدة، لأنهم يعلمون أن النصيحة الحقيقية لا تُقاس بعدد مرات قولها، بل بصدقها وعمقها. ويطلبون مرة واحدة، لأن الكرامة تمنعهم من تحويل حاجاتهم إلى إلحاح. ويبدون آراءهم مرة واحدة، لأنهم يؤمنون أن الرأي إن لم يُحترم من أول وضوحه فلن ترفعه كثرة التكرار.

هؤلاء لا يتحدثون كثيرًا، لكن حين يتحدثون تشعر أن لكل كلمة وزنًا، ولكل عبارة معنى، وكأنهم لا يلقون الكلام عبثًا بل ينتقونه بعناية من أعماق عقولهم. لا يتحدثون ليملؤوا الصمت، ولا ليثبتوا حضورهم، بل لأن لديهم ما يستحق أن يُقال. ولهذا يتركون في النفس أثرًا لا تصنعه كثرة الحديث، بل تصنعه قوة المعنى.

وفي حقيقتهم تكمن صفة نادرة؛ الوضوح. فهم لا يلتفون حول أفكارهم، ولا يختبئون خلف الغموض، ولا يرهقون الآخرين بمحاولات تفسير لا تنتهي. يقولون ما عندهم بصدقٍ واحترام، ثم يتركون للطرف الآخر حرية الفهم والتقدير. وكأن رسالتهم الصامتة تقول: “لقد أوضحت ما لدي بكل احترام، وما تبقى عليك.”

ولعل أكثر ما يميز هذه الشخصيات هو الراحة التي تبعثها فيمن حولها. فالتعامل معهم مريح، خالٍ من التعقيد، بسيط في ظاهره عميق في جوهره. لا يُرهقون من حولهم بكثرة الكلام، ولا يُثقِلون المجالس بالتبرير المستمر، بل يمنحونك شعورًا بأن الهدوء نفسه يسير برفقتهم. وجودهم أشبه بمساحة هادئة وسط ضجيج العالم، وأشبه بطمأنينة لا تُفسر بقدر ما تُشعر.

لقد فهم هؤلاء حقيقة لا يدركها كثيرون، وهي أن الكلمة حين تُكرر كثيرًا تفقد هيبتها، وأن المعنى حين يُستهلك يضعف أثره، وأن من لا يفهم الوضوح من أول مرة لن تُجديه كثرة الشرح. لذلك اختاروا أن يكونوا واضحين، مباشرين، ثم يلتزموا الصمت الكريم.

إنهم لا يبحثون عن لفت الانتباه، ولا يسعون لإثبات أنفسهم أمام أحد، لأن من يعرف قيمة ذاته لا يصرخ ليُثبت حضوره. بل يمضي بثباتٍ وهدوء، مكتفيًا بوضوحه، واثقًا أن الاحترام الحقيقي يُنتزع بالاتزان لا بالصوت المرتفع.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأجمل أن بعض الناس لا يلفتونك بكثرة حديثهم، بل يدهشونك بندرة كلامهم، لأنهم حين يتحدثون يمنحون للكلمة مكانتها، وللصمت هيبته، وللوضوح جماله.

فهؤلاء ليسوا فقط أصحاب أسلوب مختلف…

بل هم أشخاص إذا اقتربت منهم، شعرت أن الهدوء نفسه يمشي بجانبهم.

حسابات لا تُغلق إلا يوم القيامة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬