اقرأ.. أول درس في الحياة

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
كان أول درسٍ في الحياة: «اقرأ».
لم تبدأ الرسالة بمالٍ، ولا جاهٍ، ولا قوة، بل بدأت بكلمة تفتح العقل، وتوقظ الوعي، وتبني الإنسان: اقرأ.
وما أعظم دلالة البداية؛ أن يتلقى محمد ﷺ أمر القراءة وهو النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ثم يشاء الله أن يحمل رسالة علّمت أمة، وهذّبت أخلاقًا، وأنارت للإنسان طريق الخير وحذّرته من طريق الشر.
لم يخطّ ﷺ بيده منهجًا، لكنه بلّغ كتاب الله، وعلّمنا بسيرته وأقواله وأفعاله كيف نقرأ الحياة نفسها؛ كيف نعرف الحق، ونختار الخير، ونحمل الأمانة، وكيف يكون للعلم أخلاق، وللقوة رحمة، وللحياة غاية.
ومن هنا أفهم معنى المعلم.
فليس كل تعليم يُكتب على سبورة، وليس كل درس بين دفتي كتاب، وليس كل معلم يقف داخل فصل.
هناك معلمون سبقوا المدرسة.
أبي معلّمي الأول، وأمي معلّمتي الأولى، وبيتي مدرستي الأولى.
في البيت تعلمنا قبل أن نعرف الحروف. تعلمنا أن الصدق نجاة، وأن الاحترام قيمة، وأن للآخرين حقوقًا، وأن الإنسان لا يكبر بعمره بقدر ما يكبر بأخلاقه.
لم تكن في البيت سبورة، لكن كانت هناك مواقف لا تُمحى. كان الأب يعلّم أحيانًا بصمته قبل كلامه، وكانت الأم تشرح الحياة دون كتاب؛ بحنانها حينًا، وبحزمها حينًا، وبصبرها كل حين.
ثم كبرنا، وحملنا حقائبنا، وخرجنا من مدرستنا الأولى إلى المدرسة، وهناك استقبلنا المعلم والمعلمة ليكملا ما بدأه البيت.
فالبيت يغرس، والمدرسة ترعى، والأسرة تضع الأساس، ومعلم الميدان ومعلمته يرفعان البنيان.
لكن خلف هذه الصورة التي نراها كل صباح، هناك حكايات لا يراها كثيرون.
هناك معلمة تستنزف الكثير من طاقتها في بيتها وهي أم، ثم تدخل ميدانها مربية أجيال. قد تخرج من منزلها وقد تركت خلفها أبناءً يحتاجون إليها، ومسؤوليات تنتظر عودتها، ثم تقف أمام أبناء الآخرين بقلب يتسع للجميع. تحمل همّ بيتها في قلبها، لكنها حين تدخل فصلها تحاول ألا يشعر طلابها إلا بحضورها واهتمامها.
هي أم في بيتها، وفي المدرسة تمتد أمومتها بصورة أخرى؛ تصبر، وتحتوي، وتعلّم، وتلاحظ تغير ملامح طالبة، وتفهم أحيانًا من صمتها ما لم تستطع قوله. تعود إلى منزلها بعد يوم طويل لتبدأ دورًا آخر، وكأن يومها لا يعرف جرسًا يعلن نهاية الحصة.
كم مرة أنهت المعلمة دوامها، ولم تنتهِ مسؤولياتها؟
وكم مرة أعطت أبناء الآخرين من صبرها، ثم عادت لتمنح أبناءها ما بقي من طاقتها، وربما صنعت لهم من التعب ابتسامة حتى لا يشعروا بثقل يومها؟
وعلى الجانب الآخر، هناك معلم يدخل الميدان وفي داخله أبٌ أيضًا.
لا يقف أمام طلابه ناقلًا للمعلومة فقط؛ فقد يرى في أحدهم ابنًا يحتاج إلى توجيه، وفي آخر شابًا يحتاج إلى من يسمعه، وفي ثالث طالبًا أخطأ فلا يحتاج إلى من يكسره، بل إلى من يعيده إلى الطريق.
كم من معلم قام في المدرسة بشيء من دور الأب؛ نصح، واحتوى، وحمى، وشجّع، وربّت على كتف طالب في وقت كان فيه ذلك الطالب أحوج ما يكون إلى يد تقول له دون كلمات: أنا أؤمن بك.
وقد لا يعرف المعلم ما الذي فعله بتلك اللحظة.
لكنه ربما أنقذ حلمًا.
وربما أعاد طالبًا إلى مقعده بعد أن كان يفكر في الرحيل.
وربما صنعت كلمته رجلًا سيذكر بعد عشرين عامًا اسم معلمه، بينما يكون المعلم نفسه قد نسي الموقف.
وهذه هي عظمة التعليم؛ أن تزرع أحيانًا ولا ترى موسم الحصاد.
فالمعلم والمعلمة لا يقفان أمام أسماء في كشف الحضور، بل أمام أرواح مختلفة، وبيوت مختلفة، وقدرات وظروف وأحلام لا تتشابه. بعض الطلاب يأتي إلى المدرسة محملًا بالثقة، وبعضهم يأتي إليها باحثًا عنها.
وقد ينسى الطالب بعد سنوات درسًا حفظه، أو سؤالًا أجاب عنه في اختبار، لكنه قلّما ينسى معلمًا أو معلمة قالا له في لحظة ضعف:
«أنت تستطيع».
لهذا فإننا حين نحتفل بيوم المعلم، لا نحتفل بمهنة داخل أسوار المدرسة فحسب، بل نحتفل ببداية كل المهن.
فالطبيب الذي يعالجنا كان يومًا طالبًا. والمهندس الذي يبني مدننا جلس يومًا أمام معلم. والضابط الذي يحمي وطنه، والقاضي، والإعلامي، والباحث، والإداري، والموظف في الدوائر الحكومية والقطاع الخاص؛ جميعهم عبروا يومًا من بوابة مدرسة، ووقف خلف مراحل تكوينهم معلمون ومعلمات.
خلف كثير من منجزات الوطن معلم أو معلمة وضعا يومًا بذرة، ثم مضيا، وكبرت البذرة حتى أصبحت إنجازًا.
ولهذا، سلامٌ على معلم الميدان ومعلمته.
سلامٌ على مربي الأجيال وصنّاع المنجزات.
سلامٌ على معلمة خرجت من مسؤولية أم لتدخل مسؤولية مربية أجيال، فأعطت من قلبها لبيتين؛ بيتٍ ينتظرها، ومدرسةٍ تنتظر عطاءها.
وسلامٌ على معلم حمل مسؤولية الأب في منزله، ثم دخل فصله فوجد أمامه أبناءً آخرين يحتاجون إلى علمه وحكمته وصبره وقدوته.
سلامٌ على من دخل فصله يومًا وهو متعب، فترك تعبه خلف الباب حتى لا يدفع طلابه ثمنه.
سلامٌ على من كانت لديه همومه الخاصة، ومع ذلك ابتسم أمام طلابه وأكمل الدرس.
سلامٌ على من صحح خطأً دون أن يهين صاحبه، واكتشف موهبة قبل أن يكتشفها صاحبها، وأمسك بيد متعثر حتى وقف.
وسلامٌ على معلمينا ومعلماتنا المتقاعدين الذين غادروا الفصول، لكن الفصول لم تغادر ذاكرتهم، وما زال شيء منهم يعيش في أطباء ومهندسين وقادة وموظفين وآباء وأمهات كانوا بالأمس طلابًا بين أيديهم.
وسلامٌ على أبي؛ معلّمي الأول.
وسلامٌ على أمي؛ معلّمتي الأولى.
وسلامٌ على البيت؛ مدرستي الأولى.
وقبل ذلك كله، الصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، النبي الأمي الذي بعثه الله برسالة كان مفتاحها:
«اقرأ».
وفي يوم المعلم، لا تحسبوا عمر المعلم والمعلمة بعدد سنوات الخدمة، ولا أثرهما بعدد الحصص، ولا منجزهما بعدد الدروس التي انتهت.
ابحثوا عن أعمارهم في ذاكرة طلابهم، وابحثوا عن آثارهم في منجزات وطنهم.
فقد يكون خلف طبيب أنقذ حياةً معلمٌ أشعل فضوله، وخلف مهندس بنى صرحًا معلمةٌ اكتشفت موهبته، وخلف قائد ناجح كلمة تشجيع سمعها طفلًا ولم ينْسَها، وخلف إنسان صالح معلمٌ لم يكتفِ بأن يعلمه كيف ينجح، بل علّمه كيف يكون إنسانًا.
المعلم والمعلمة قد يغادران الفصل، لكن أثرهما لا يغادر الإنسان.
لأن التعليم ليس حصة تنتهي بجرس، بل أثر يبدأ بحرف، ويكبر بإنسان، وقد ينتهي بمنجز يحمل اسم وطن.
وستبقى البداية دائمًا:
«اقرأ».. أول درس في الحياة.




