Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

المجتمعات الرقمية التعليمية… لماذا أراها مستقبل التعليم؟

بقلم: أشواق قاسم

بقلم: أشواق قاسم

في مقالي السابق تحدثت عن المجتمعات الرقمية باعتبارها انتقالًا من اقتصاد المتابعة إلى اقتصاد المشاركة، وعن مستقبل قد لا تُقاس فيه قوة حضور الإنسان الرقمي بعدد متابعيه فقط، بل بالمجتمعات التي ينتمي إليها والقيمة التي يضيفها إليها.

لكن هناك قطاعًا أعتقد أنه سيكون من أكثر القطاعات استفادة من هذا التحول:  التعليم.

بعد سنوات طويلة قضيتها في الميدان التعليمي، أصبحت أرى أن أحد التحديات التي تواجه التعليم اليوم ليس نقص المعلومات.

بل العكس تمامًا..المعلومات أصبحت في كل مكان.

يستطيع الطالب مشاهدة شرح درس خلال ثوانٍ، ويستطيع المعلم العثور على آلاف الموارد التعليمية، ويستطيع ولي الأمر البحث عن إجابة لأي سؤال تقريبًا.

ومع ذلك، يبقى سؤال مهم:

إذا كانت المعرفة متاحة بهذا الحجم، فلماذا لا يزال الوصول إلى الشخص المناسب والخبرة المناسبة والمجتمع المناسب أمرًا صعبًا؟

من هنا أرى أن مستقبل التعليم الرقمي لن يكون في بناء المزيد من المنصات فقط، بل في بناء مجتمعات رقمية تعليمية.

لدينا منصات… لكن هل لدينا مجتمع؟

حققت المملكة تقدمًا مهمًا في التعليم الرقمي، ومن أبرز الأمثلة منصة «مدرستي»، التي ذكرت وزارة التعليم أنها تخدم أكثر من 6 ملايين طالب وطالبة وأكثر من 500 ألف معلم ومعلمة، وحصلت في عام 2025 على الجائزة الكبرى في فئة التعلم الإلكتروني ضمن جوائز القمة العالمية لمجتمع المعلومات. (Ministry of Education)

وهذا إنجاز مهم يؤكد قوة البنية الرقمية التعليمية السعودية.

لكن المجتمع الرقمي التعليمي يؤدي وظيفة مختلفة عن المنصة التعليمية.

فالمنصة تساعدني على الوصول إلى الخدمة أو المحتوى. أما المجتمع فيساعدني على الوصول إلى الإنسان.

إلى طالب يواجه التحدي نفسه، أو معلم لديه تجربة يمكن أن يستفيد منها معلم آخر، أو ولي أمر يبحث عن إجابة لدى أسرة مرت بالتجربة نفسها، أو متخصص يستطيع توجيه طالب، أو جهة تعليمية تبحث عن موهبة أو فكرة.

وهنا يتحول التعليم الرقمي من علاقة بين «مستخدم ومحتوى» إلى شبكة علاقات بين طالب ومعلم وولي أمر وخبير ومؤسسة.

المشكلة ليست نقص المعرفة… بل تشتتها

من واقع خبرتي في التعليم، أرى أن المعرفة والخبرات موجودة بالفعل، لكنها موزعة في أماكن كثيرة.

المعلم لديه تجربة.

والطالب لديه احتياج.

وولي الأمر لديه سؤال.

والخبير لديه معرفة.

والجامعة لديها فرصة.

والجهة التدريبية لديها برنامج.

لكن هؤلاء لا يلتقون دائمًا في المكان والوقت المناسبين.

وهذه تحديدًا هي الفجوة التي يمكن للمجتمعات الرقمية التعليمية أن تساعد في معالجتها: ربط المعرفة بمن يحتاج إليها، وربط أصحاب الاهتمامات والأهداف المشتركة بعضهم ببعض.

وهذا التصور كان أيضًا منطلقًا أساسيًا في العمل البحثي الذي سبق تطوير فكرة «مجتمع علم»: بيئة تجمع الطالب والمعلم وولي الأمر، وتتيح تبادل الخبرات والموارد والمعلومات، بدل بقاء كل طرف في مساحة منفصلة.

الطالب ليس مجرد متلقٍ

أحد أكبر التغييرات التي أتوقعها في المجتمعات التعليمية هو تغير دور الطالب نفسه.. فالطالب في النموذج التقليدي يتلقى المعرفة.

أما في المجتمع الرقمي، فيستطيع أن يسأل ويناقش ويشارك تجربته، وينضم إلى مجموعة اهتمام، ويعمل مع طلاب آخرين على مشروع، ويتواصل مع متخصصين، ويكتشف فرصًا تعليمية ومهنية لم يكن يعرف بوجودها.

والأمر نفسه ينطبق على المعلم.

فالمعلم لا يكون فقط مقدمًا للمعلومة، بل يمكن أن يصبح صانع معرفة داخل المجتمع: يشارك تجربة ناجحة، يقدم محتوى، يقود ورشة، يساعد معلمًا آخر، أو يقدم خبرته لمجموعة أكبر من حدود مدرسته أو مدينته.

وهكذا تتحول الخبرة التعليمية الفردية إلى قيمة مجتمعية قابلة للمشاركة والتوسع.

وهنا تبدأ القيمة الاقتصادية

المجتمع التعليمي الرقمي ليس فكرة اجتماعية فقط؛ بل يمكن أن يكون جزءًا من اقتصاد المعرفة.

يمكن أن تنشأ داخله دورات وورش عمل، واستشارات، وإرشاد أكاديمي ومهني، ودروس متخصصة، وشهادات، وأسواق للخبراء، وموارد تعليمية رقمية، وفرص تدريب وتوظيف، وشراكات مع المدارس والجامعات والمؤسسات.

وهذا تحديدًا ما يجعلني أنظر إلى المجتمعات التعليمية باعتبارها نموذجًا اقتصاديًا أيضًا.

فالمعرفة الموجودة لدى الإنسان تصبح أصلًا يمكنه مشاركته وتحويله إلى قيمة، بينما يحصل الطرف الآخر على خبرة يحتاج إليها.

وهذه الفكرة تتوافق مع النموذج الذي عملنا عليه في دراسة «مجتمع علم»، حيث لا تعتمد القيمة المقترحة على المحتوى وحده، بل على الجمع بين المجتمع، والمحتوى العربي الموثوق، والتوجيه المباشر، وقياس التقدم، مع إمكانية بناء نماذج للإيرادات من الاشتراكات والشهادات والخبراء والشراكات المؤسسية.

لماذا السعودية الآن؟

لأن البيئة الرقمية السعودية أصبحت مهيأة لتجارب أكثر تقدمًا.

وصل انتشار استخدام الإنترنت في المملكة في عام 2025 إلى 99.6%، بحسب هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية. كما أن 61.3% من مستخدمي الإنترنت يقضون سبع ساعات فأكثر يوميًا على الشبكة. (CST)

اقتصاديًا، بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي 16% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في عام 2024، وفق الهيئة العامة للإحصاء. (Saudi Arabia Statistics Authority)

هذه الأرقام تجعل السؤال بالنسبة لي مختلفًا.

لم يعد السؤال:

هل المجتمع السعودي مستعد للتقنية؟

بل:

كيف نحول هذا الحضور الرقمي الهائل إلى معرفة ومهارات وفرص وجودة حياة؟

وهذا يتقاطع مع توجهات برنامج تنمية القدرات البشرية ضمن رؤية السعودية 2030، الذي ينظر إلى التعلم باعتباره رحلة تمتد عبر مراحل الحياة، ويؤكد دور الأسرة والمجتمع والمؤسسات وأصحاب العمل، إلى جانب المؤسسات التعليمية، كما يتضمن تمكين تقنيات التعلم والمحتوى والتعلم المستمر. (Saudi Vision 2030)

الذكاء الاصطناعي سيجعل المجتمع أكثر ذكاءً

وهنا يأتي العامل الذي قد يسرّع هذا المستقبل بصورة كبيرة: الذكاء الاصطناعي.

تشير بيانات «إنترنت السعودية 2025» إلى أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المملكة وصل إلى 45.2%، وأن 37.7% من استخدامات هذه الأدوات ترتبط بالدراسة والتعليم. (CST)

لكنني لا أرى دور الذكاء الاصطناعي في التعليم مقتصرًا على أن يكتب للطالب إجابة أو يعد للمعلم عرضًا تقديميًا.

القيمة الأكبر مستقبلًا قد تكون في قدرته على فهم الاحتياج وربط الأشخاص والفرص ببعضهم.

طالب لديه اهتمام بالهندسة يمكن أن يُوجَّه إلى مجتمع متخصص.

وطالب يستعد لاختبار معين يمكن أن يجد المجموعة المناسبة له.

ومعلم يبحث عن استراتيجية تدريس يمكن أن يصل إلى معلمين جربوها.

وولي أمر يحتاج إلى توجيه يستطيع الوصول إلى الخبير أو المجتمع المناسب.

ومع نمو المجتمع، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تخصيص المحتوى، واكتشاف الاهتمامات، واقتراح الخبراء، وتحليل الاحتياجات، وتكوين مجموعات أكثر ارتباطًا بأهداف أعضائها.

عندها لا يكون لدينا فقط مجتمع رقمي، بل مجتمع يتعلم من احتياجات أعضائه ويتطور معهم.

ومن هنا بدأت فكرة «مجتمع علم

كل هذه الأسئلة قادتني إلى سؤال شخصي:

لماذا لا توجد مساحة واحدة تجمع أطراف العملية التعليمية حول الاهتمام والهدف، وليس حول المحتوى فقط؟

ومن هنا بدأت فكرة «مجتمع علم».

الفكرة التي نعمل عليها هي بناء مجتمع رقمي تعليمي سعودي يجمع الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور والخبراء والجهات التعليمية في بيئة واحدة، بحيث لا يكون العضو مجرد مستهلك للمحتوى، بل جزءًا من مجتمع يشارك ويتعلم ويضيف قيمة.

وتشمل الرؤية التي جرى تطويرها للمشروع المحتوى التعليمي، والجلسات التفاعلية، والدورات والورش، والإرشاد، وتبادل الخبرات والموارد، والمجتمعات المتخصصة، وربط الأطراف المختلفة داخل المنظومة التعليمية.

لكنني لا أريد أن يكون «مجتمع علم» منصة أخرى نضيفها إلى قائمة التطبيقات الموجودة على هواتفنا.

فالمنصات موجودة بالفعل.

ما نريد بناءه هو المجتمع.

من السعودية… ثم إلى العالم العربي

والطموح لا يتوقف عند حدود المملكة.

أرى أن السعودية قادرة على أن تكون نقطة انطلاق لمجتمع تعليمي عربي يستخدم العربية البيضاء؛ لغة عربية بسيطة ومفهومة لمختلف الشعوب العربية.

فالمعلم السعودي يمكن أن يشارك خبرته مع معلم في الأردن، والطالب في جدة يستطيع أن يعمل مع طالب في القاهرة أو دبي أو الرباط، والخبير العربي يستطيع تقديم معرفته لمجتمع يتجاوز الحدود الجغرافية.

التعليم بطبيعته عابر للحدود.

والإنترنت أزال المسافة.

أما المجتمعات الرقمية فقد تزيل العزلة بين أصحاب المعرفة ومن يحتاجون إليها.

التعليم في المستقبل ليس مكانًا… بل شبكة علاقات

لا أعتقد أن التقنية ستلغي المدرسة أو الجامعة أو المعلم.

على العكس.

أعتقد أنها ستجعل العلاقات بينهم وبين المجتمع أوسع وأكثر استمرارية.

فالإنسان يتعلم داخل الفصل، لكنه يتعلم أيضًا من زميل، ومن تجربة، ومن خبير، ومن سؤال، ومن مشروع، ومن مجتمع ينتمي إليه.

ولهذا أرى أن مستقبل التعليم لن يكون مجرد محتوى أكثر أو منصة جديدة.

سيكون مستقبلًا يستطيع فيه كل طالب ومعلم وولي أمر أن يجد مجتمعه.

مجتمعًا يساعده على الوصول إلى المعرفة، وإلى الإنسان المناسب، وإلى الفرصة المناسبة.

وهذا هو المستقبل الذي أتمنى أن نشارك في بنائه من السعودية: تعليم لا يكتفي بربط الإنسان بالمعلومة، بل يربط الإنسان بالإنسان… لنرفع الوعي، ونبني المعرفة، ونحسن جودة الحياة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬