مقالات

الضحية التي تُجيد صناعة الدور

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

أخطر المعارك ليست تلك التي يُرفع فيها الصوت، بل تلك التي تُحسم في أذهان الناس قبل أن تُسمع الرواية كاملة.

فهناك من لا يكتفي بأن يختلف معك، بل يسبقك إلى الجمهور، ويرتدي ثوب المظلوم، ثم يضعك في دور الجلاد قبل أن تعرف أصلًا أن هناك مسرحية بدأت.

بعض البشر أتقنوا فنًا نفسيًا شديد الخطورة: تمثيل الضحية.

لا لأنهم الأضعف، بل لأنهم يعرفون أن التعاطف أسرع طريق إلى تصديق الروايات. يختارون كلماتهم بعناية، يروون نصف الحكاية، يحذفون ما فعلوه، ويُضخّمون ما فعلته أنت، ثم يتركون دمعة في المكان المناسب لتكتمل الصورة التي يريدونها.

والمؤلم أن الناس غالبًا لا يرون ما سبق المشهد الأخير.

لا يرون الاستفزازات الطويلة، ولا الرسائل التي مُسحت، ولا الكلمات التي قيلت في الخفاء، ولا الصبر الذي استُنزف على مدى شهور أو سنوات. كل ما يرونه لحظة انفجار إنسانٍ صامت، فيُحاسبونه على صوته، وينسون من دفعه إليه.

ربما يكون أحدهم قد ابتلع عشرات الإساءات بهدوء، وتجاوز كثيرًا، وصمت احترامًا للعِشرة أو سترًا لخصوصية العلاقة، ثم في لحظة واحدة يقول: «كفى».

وهنا تبدأ المفارقة؛ يصبح صمته السابق بلا قيمة، وتتحول كلمة «كفى» إلى جريمة، بينما يخرج الطرف الآخر إلى الناس حاملًا قصة منتقاة بعناية عنوانها: انظروا ماذا فعل بي!

في هذا النوع من العلاقات لا تكون الحقيقة دائمًا عند الأكثر بكاءً، ولا البراءة مع الأكثر شكوى، ولا الخطأ بالضرورة عند من فقد هدوءه أخيرًا.

فالإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على التفسير، لأن بعض الصمت ليس اعترافًا بالذنب، بل تعبٌ من الدفاع عن النفس أمام رواية كُتبت سلفًا، ووُزعت أدوارها، وصُنع لها جمهور.

هناك من يجرحك في السر، ثم يستغرب نزيفك في العلن.

يستفزك مرارًا، ثم يوثق رد فعلك وينسى أفعاله.

يضغط على موضع الألم، فإذا صرخت قال للجميع: «انظروا كم هو عدواني!»

وهكذا تنقلب الأدوار… يصبح من تحمّل طويلًا متهمًا بالقسوة، ومن تسبب في الجرح مظلومًا، ويبدأ المحيطون بإلقاء النصائح على الشخص الخطأ:

تماسك، سامح، اعتذر، لا تقسُ عليه…

بينما لا يسأل أحد: وماذا حدث قبل كل هذا؟

لكن الإنصاف لا يعني أيضًا أن نُدين كل من بكى، أو نشكك في كل من اشتكى؛ فهناك ضحايا حقيقيون لا يملكون إلا صوتهم، وهناك من عاش الألم طويلًا قبل أن يجد الشجاعة ليتحدث.

لذلك فالحكمة ليست في تصديق الصامت دائمًا ولا الباكي دائمًا، وإنما في ألا نحاكم قصة من مشهد واحد.

الحقيقة تحتاج إلى أكثر من دمعة، وأكثر من رسالة مقتطعة، وأكثر من رواية أحادية.

اسأل عن البداية، لا عن النهاية فقط.

راقب السلوك المتكرر، لا الموقف المنفرد.

ابحث عمن يعترف بخطئه كما يتحدث عن أخطاء الآخرين، فالشخص الصادق لا يحتاج إلى تشويه أحد كي يثبت ألمه.

وأحيانًا يكون أكثر الناس ظلمًا لك هو من ينجح في إقناع الآخرين بأنه ضحيتك.

لذلك، لا تستنزف عمرك في مطاردة كل رواية قيلت عنك، ولا تجعل حياتك محكمة دائمة تستدعي فيها الشهود لإثبات أنك إنسان جيد. هناك حقائق لا تحتاج إلى صراخ كي تبقى حقيقة، وهناك أقنعة مهما أتقنت دورها يسقطها الزمن؛ لأن التمثيل قد ينجح في مشهد، لكنه يصعب أن يستمر عمرًا كاملًا.

وفي النهاية، سيبقى الفرق واضحًا بين من يتألم لأنه جُرح، ومن يستخدم الألم المصنوع ليجرح الآخرين.

فالضحية الحقيقية تبحث غالبًا عن النجاة… أما محترف دور الضحية فيبحث عن جمهور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬