مقالات

لغة النجاح

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

في بيئات العمل، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى ارتكاب خطأ حتى يصبح حديث الممرات… أحيانًا يكفيه أن ينجح.

نعم، أن ينجح فقط.

أن يأتي صباحًا بهدوء، يحمل قهوته وملفاته، يؤدي ما عليه، لا يدخل في معارك جانبية، ولا ينتمي إلى حزب «من قال؟ ومن نقل؟»، ولا يمارس هواية تفسير النوايا، ثم يرتكب — من حيث لا يدري — أفدح خطأ اجتماعي يمكن أن يرتكبه موظف في بعض البيئات:

أن ينجح أكثر مما كان متوقعًا منه.

وهنا تبدأ الحكاية.

قد تصله رسالة شكر، أو إشادة من مسؤول، أو تكريم بسيط، وربما لا يتجاوز الأمر عبارة عابرة:

«يعطيك العافية… أبدعت.»

هي جملة لا تستغرق ثواني، لكنها قادرة على إيقاظ مؤسسة كاملة من سباتها اللغوي، وكأن اللغة العربية لم تُخلق لتُدرَّس في المدارس، بل لتُطبَّق عند نجاح أحد الزملاء!

فجأةً تستيقظ نون النسوة بكامل نشاطها:

«شفتيه كيف صار؟»

«لاحظتِ طريقته من بعد التكريم؟»

«مو تحسين إن نبرة صوته تغيّرت؟»

«أنا من زمان حاسة فيه شيء!»

حتى من لم تكن تعرف اسمه قبل أسبوع، تصبح فجأة خبيرة في علم النفس التنظيمي، ومتخصصة في قراءة لغة الجسد، وقادرة من حركة حاجب واحدة على اكتشاف تاريخ الموظف ومستقبله ونواياه الخفية.

وفي الجهة الأخرى، ينهض جمع المذكر السالم بكامل هيبته وتحليلاته الاستراتيجية:

«يا رجال… الموضوع فيه شيء!»

«وش سوّى يعني عشان يوصل؟»

«أكيد فيه أمور ما نعرفها.»

«أنا من يوم غيّر عطره وأنا عارف إن وراه سالفة!»

ومن هنا لا يعود نجاح الموظف مجرد نجاح.

يتحول إلى ملف قضية.

كيف بدأ؟

ومن دعمه؟

ولماذا اختير؟

ولماذا ابتسم له المدير؟

ولماذا صافحه بحرارة؟

ولماذا دخل مكتبه مرتين هذا الأسبوع؟

ولماذا قال «صباح الخير» بصوت أعلى من المعتاد؟

وقد يصل التحقيق إلى سؤال مصيري:

هل يخطط لمنصب؟

وهكذا يتحول إنسان كان بالأمس موظفًا عاديًا، كل همه إنهاء مهامه والعودة إلى منزله، إلى مشروع تحليل وطني شامل.

الرجال يحللون إنجازاته، والنساء يحللن نبرة صوته، والممرات تنقل الأخبار، وآلة القهوة تحتفظ بالأسرار، والطابعة — لو استطاعت الكلام — لربما كانت أخطر شاهد في القضية.

ثم تدخل إنَّ وأخواتها إلى المشهد بكل ثقلها النحوي:

«إنَّ الموضوع فيه واسطة.»

«لكنَّ الأمر غير طبيعي.»

«لعلَّه يعرف أحدًا.»

«كأنَّه كان يرتب لهذا منذ سنوات.»

أما كان وأخواتها، فهنا تبلغ الدراما ذروتها:

«كان بسيطًا فأصبح مشهورًا.»

«كان يجلس معنا فأصبح مشغولًا.»

«كان يرد بسرعة فأصبح يتأخر.»

«كان يشرب معنا القهوة… والآن يأخذها إلى مكتبه!»

وكأن النجاح عقدٌ اجتماعي يُلزم صاحبه ألا يتغير جدول يومه، ولا مسؤولياته، ولا حتى موعد قهوته!

ثم تأتي حروف الجر لتؤدي دورها التاريخي:

يتحدثون عنه،

وفيه،

وعليه،

ومنه،

وحوله،

وله،

وبسببه…

حتى تكاد حروف الجر نفسها تطلب إجازة اضطرارية بسبب الاستنزاف الوظيفي.

ولا تتأخر الأفعال الخمسة عن أداء واجبها:

هم يراقبونه،

ويتتبعونه،

ويفسرون تصرفاته،

ويتساءلون،

ويتناقلون الأخبار عنه.

بل إن بعض التحليلات تصل إلى درجة عبقرية لا يحتملها المنطق:

«أنا أقول لكم، تغيّر من يوم أخذ الدورة!»

«لا… السر في اللابتوب الجديد.»

«الكرسي الجديد غيّر شخصيته!»

«من يوم صار يحمل كوب القهوة الأسود وهو مو مثل أول.»

وفجأة تصبح أبسط تفاصيل حياة الناجح مادة قابلة للتأويل:

إذا ابتسم… قالوا: تغيّر.

وإذا صمت… قالوا: شايف نفسه.

وإذا اجتهد… قالوا: يستعرض.

وإذا تواضع… قالوا: يمثل.

وإذا جلس وحده… قالوا: يخطط لشيء كبير.

وإذا اقترب من الناس… قالوا: يبني علاقات لمصلحة ما.

والطريف أن صاحبنا، وسط كل هذا الضجيج، قد يكون جالسًا أمام شاشة الحاسب يحاول فقط معرفة:

لماذا ملف الإكسل لا يفتح؟

لكن خلف هذه السخرية حقيقة إنسانية تستحق التأمل.

فالنجاح لا يزعج الناس دائمًا لأنه سيئ، بل لأنه أحيانًا يتحول إلى مرآة.

والمرآة لا تؤلم لأنها تهاجمنا، وإنما لأنها تكشف لنا شيئًا لم نكن نريد رؤيته.

حين ينجح شخص قريب منا، فإن نجاحه لا يخبرنا فقط بما حققه هو؛ بل قد يذكّر بعضنا بما كان يستطيع تحقيقه لو اجتهد، وبالوقت الذي أهدره، والفرص التي تركها تمر، والأعذار التي صنعها لنفسه.

وهنا يصبح أسهل شيء على النفس أن تُعيد تفسير نجاح الآخر بدل أن تعيد النظر في نفسها.

فنقول: واسطة.

حظ.

تلميع.

علاقات.

فرصة جاءت في وقتها.

أي شيء… إلا الجملة الأصعب:

«ربما اجتهد أكثر مني.»

فالإنسان يستطيع أحيانًا أن يحتمل خسارته، لكنه يصعب عليه أن يرى نجاح شخص يعرف أنه بدأ من المكان نفسه الذي بدأ منه.

ولهذا فإن بعض الناس لا يحاربون نجاحك لأنهم يكرهونك، بل لأن نجاحك فتح في داخلهم سؤالًا كانوا يؤجلونه طويلًا:

«لماذا لم أفعل أنا؟»

والفرق كبير بين شخص يرى نجاحك فيقول:

«ما شاء الله… سأتعلم منه.»

وشخص يرى النجاح ذاته فيقول:

«مستحيل… لا بد أن وراءه شيئًا!»

الأول يستخدم نجاح الآخرين سُلّمًا، والثاني يستخدمه حائطًا يعلّق عليه أعذاره.

والحقيقة أن المؤسسة الصحية لا تخاف من الموظف الناجح، بل تحتفي به وتتعلم منه وتصنع منه نموذجًا قابلًا للتكرار.

أما المؤسسة التي يصبح فيها النجاح تهمة، والتكريم مادة للتحقيق، والاجتهاد سببًا للشك، فإنها لا تعاقب الموظف المتميز فقط؛ بل ترسل رسالة صامتة للجميع:

لا تتفوق كثيرًا… كي لا نلتفت إليك.

وهنا تبدأ أخطر أنواع الخسائر؛ حين يتعلم المجتهد أن يخفض سقف عطائه حتى يعيش بسلام، ويتعلم المبدع أن يخفي فكرته، ويتعلم الطموح أن يمشي بجوار الجدار حتى لا تلاحقه التأويلات.

فالنجاح الحقيقي لا يحتاج بيئة تصفق له فقط، بل بيئة لا تعاقبه نفسيًا واجتماعيًا لأنه نجح.

وفي النهاية سيبقى الموظف المتميز يعمل، وسينتهي التكريم، وتبهت الصور، وتُطوى شهادات الشكر، وقد تُنسى التفاصيل كلها.

لكن سيبقى درس صغير لا يُدرّس في كتب النحو:

أن الإنسان حين ينشغل كثيرًا بتفسير نجاح الآخرين، قد يفوته أن يصنع نجاحه هو.

وأن أجمل رد على نجاح شخص ليس البحث عن «سرّه الخفي»…

بل البحث عن سرّ تقصيرنا نحن.

أما صاحبنا الناجح، فسيواصل عمله بهدوء، بينما ينشغل الآخرون بطريقة مشيه، ونوع قهوته، وتوقيت دخوله، ونبرة سلامه، وسر ابتسامته، وربما خلفية هاتفه الجديدة.

وسيظل أعظم إنجاز حققه — دون أن يقصد — ليس شهادة الشكر، ولا التكريم، ولا التميز الوظيفي…

بل أنه استطاع بإنجازٍ واحد أن يوقظ:

نون النسوة، وجمع المذكر السالم، وإنَّ وأخواتها، وكان وأخواتها، وحروف الجر، والأفعال الخمسة، والماضي والمضارع والأمر، وعلامات الاستفهام والتعجب…

ويجعل المؤسسة بأكملها تطبق قواعد اللغة العربية عمليًا.

فسبحان من جعل للنجاح أثرًا… حتى في النحو والصرف!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬