الريح والأكل ومصائب أخرى

بقلم : د.رغدة الإدريسي
أظنني أسطيع القول إنه من نكد الدنيا على المرء أن يكون معلما للغة العربية لطلبة هذا الجيل.
فمن أشد الآلام مكابدةً أن تترنم بقصيدة، أو تسترجع قصة، أو تستشهد بآية بليغة، أو حديثٍ معجز، فلا تجد من يفهمك، ولا من يطرب لشعرك، أو يُبهَر باستشهادك، أو يقشعر جسمه لحلاوة مقالك، أو فصاحة منطقك.
فباختصار -أيها السادة- أبناؤنا اليوم يفهمون العربية بالمعنى العام، أي أنهم لا يفهمون مفرداتها واحدة واحدة، وإنما يفهمونها كما يفهم الواحد منا الإنجليزية، أو كما يفهم الأعجمي العربية.
وهم بالطبع لا يفهمون آيات القرآن ولا كلماته، ولذلك يطالبون بعدم وضع أسئلة الامتحان من الآيات الكريمة؛ لأنهم ببساطة لا يفهمون اللفظ القرآني البليغ.
ففي قوله تعالى (ما ننسخ من آية) يظنون النسخ بمعنى النسخ واللصق المعتاد عليه في الأجهزة التي يستخدمونها، وقوله تعالى (وما هو على الغيب بضنين) يقرؤونها ظنين ويفهمونها من الظن والشك، وأما قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) فالصمت الذي يخيم على القاعة يدلك على المعنى الوحيد الذي يعرفونه لكلمة استوى، تعالى الله علوا كبيرا.
ومن أجلّ المهمات أن تطلب منهم استخراج فاعلٍ أو مبتدأً من بيت شعر، لأنهم لا يعرفون معنى البيت ولا المتقدم منه ولا المتأخر، حتى يستطيعوا إعرابه اعرابا سليما.
ولو أنني كنت ذات ذاكرة جيدة، لكتبت مقالات فكاهية من نوع الكوميديا السوداء على كثير من المواقف التي واجهتني في جهل الطالبات بنصوص العربية.
ولكن لعل من أغربها أنه في أحد الاختبارات طُلِب من الطلبة استخراج نوع التشبيه من البيت:
يا حبّذا ريحُ الولد ريحُ الخزامى في البلد
وقد سُئِلتُ كثيرا طوال فترة الامتحان عن هذا البيت، وطولبتُ بقراءته، وشرح معناه ومعنى الخزامى، وكانت الحيرة الفاجعة تتلألأ في عيون السائلات، إلى أن قلت بملل لإحدى الطالبات السائلات: اشرحي لي أنت ما تفهمينه من هذا البيت، فقالت على استحياء بأن ريح الولد أي: الريح التي تخرج من الانسان وتنقض الوضوء.
ولقد كان أحد الدروس المقررة في منهج العربية الجديد قصيدة صفي الدين الحلي الجميلة:
وَرَدَ الربيع فمرحبًا بوُرُودِهِ وبطِيبِ مَبْسَمِهِ ونَوْر وُرُودِهِ
والقصيدة لطيفة وسهلة، وجمالها في الجناس البليغ الذي شرحته جيدا وأوضحت بلاغته والتلاعب اللفظي فيه، ومع ذلك فقد فعلت الطالبات الأفاعيل في فهم الجناس، واستغرق الأمر منهن وقتا للتفريق بين وروده الأولى و وروده الثانية، ليتحول الجمال اللطيف، إلى شرح عنيف لمعنى البيت.
وبحُسْنِ مبسمه وطيبِ نسيمه وأنيق ملبسه ووَشْيِ بُرودِهِ
وبالطبع فهمت الطالبات الوشي على أنه الوشاية، وبُرودِهِ أنها برودة الجو، والله المستعان على ما يصفون.
ومن المضحك أيضا أن إحدى الطالبات فهمت الجملة التالية: (غالبا ما يأخذ التقرير المالي وقتا طويلا في إعداده) على أن (ما) نافية، على غرار ما نتكلم به في العامية.
وظنّت طالبة أخرى الطباق في قوله تعالى (والْتفّتِ السّاقُ بالسّاق) جناسا، فنادتني في الاختبار لتتأكد من فهمها قائلة: الساق الأولى ساق الإنسان والساق الثانية ساق النبات، فقلت لها: وأين ساق الحيوان و الجماد والبلاد؟؟!
ومن النكات التي ما عادت تضحكني لكثرة تكرارها كل فصل دراسي، هي إجابة طالبة عن سؤالي المفاجئ لها بتعداد الأسماء الخمسة، والتي هي حصراً: (أبو أخو حمو ذو فو)، والتي درسناها المحاضرة السابقة، لتقول: أبو أخو حمو عمو.. فتضج القاعة بالضحك، فيما عداي أنا التي أتبسّم تبسّم المعتاد على هذا الموقف السامج، والذي قد تتغير إجابته لتصبح أمو أو جدو، وقد ضحكت من قلبي أول مرة سمعتها منذ سنوات.
ولا أزال أذكر دهشتي حين قرأت إحدى الطالبات البيت الشهير: أَلَا كُلّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ، (الأكل شيئ ماخلا الله باطل) فصارت أَلَا كُلُّ (الأكل)، ولم أجد بُدّاً من أن أواسي نفسي بشيء من المزاح وأقول لها: هل أنت جائعة يا ابنتي؟!
وكانت الكارثة لما كتبت إعلان الاختبار للطالبات: “سيكون الاختبار في نص حافظ إبراهيم ونص صفي الدين الحلي”، فذاكرت الطالبات نصف الدرس الأول، ونصف الدرس الثاني، لأنهن فهمن نَصّ على أنها نُصّ العامية !!!!
وقد قدّم أحد الكتب المقررة على الطالبات، معلقة زهير ابن أبي سُلمى نموذجا على بقاء اللغة العربية لغة حية استعمالا وكتابة رغم مرور أكثر من 1400 سنة على أقدم النصوص التي وصلتنا منها، وأن الناطق بالعربية اليوم يستطيع قراءة هذه المعلقة فيفهمها دون الرجوع إلى المعاجم والقواميس، كما سيضطر أي ناطق بلغة أخرى ليقرأ نصّا بهذا القدم من لغته، ولكن الطالبات لم يفهمن شيئا من المعلقة سوى حروف الجر والعطف، وانتفى الهدف من الدرس ومن المثال، وأخذت أسأل عن معنى كل شطر وأشرحه، حتى خشيت على ابن أبي سُلمى أن يتقلقل في قبره غيظا وحنقا، أو أموت أنا كمدا وحزنا.
وهناك فئة أغرب وأعجب، حاولت تفهم دوافع أهليهم وتفسيرها لكنها استعصت على عقلي، وهم بنو جلدتنا وديننا ووطننا، الذين زجّوا بأبنائهم إلى أحضان المدارس العالمية، التي أخرجت جيلا مشوّه الهوية، جاهلاً بلغته الأم، وكم نعاني مع هذه الفئة في تدريس مواد اللغة العربية العامة التي تفرضها الجامعة، فهم أبناؤنا، وأسماؤهم أسماؤنا، وألوانهم ألواننا، لكنهم يلوون ألسنتهم بالإنجليزية ليّاً، ولا يفقهون من العربية شيًّا، والإعراب سبب رسوبهم، وفهم الآيات والأبيات معضلة حياتهم، ومادة اللغة العربية أُسُّ بلواهم، وفحوى شكواهم، وكم أتألم وأنا أرى تفوق الطالبات الأعجميات عليهن، لاهتمام أُسَرِهِنّ في بلدانهن بتحفيظهن القرآن من الصغر، وحرصهم على فهمه ودراسته.
ولا أدري أضاقت المدارس العالمية بكتبها الضخمة الثقيلة التي تدرسها لطلبتها، عن تدريسهم حصصا كافية لمادة اللغة العربية كأمثالهم من طلبة البلاد؟ وهل كانت النتيجة التي خرج بها الأبناء من تفوقهم في اللغة الإنجليزية، قد أدّت لمستقبل خارق أو متميز عن باقي طلبة المدارس الاعتيادية؟ وهل سعد الآباء وهم يرون أبناءهم لا يفقهون من القرآن شيئا، ولا يستطيع أحدهم أن يمد يده إلى كتاب عربي فيقرؤه ويفهمه؟ ومتأكدة أن إجابات أسئلتي الثلاث هي: لا، فالإحصائيات السنوية للموهوبين والمتفوقين على مستوى المملكة والحاصلين على جوائز محلية وعالمية، تشير إلى استحواذ طلبة المدارس الحكومية على هذه المراكز أولا، ثم طلبة المسار الأهلي وأخيرا طلبة المسار الدولي، وأما من ناحية التوظيف فإن الجامعة تكفل للطالب أن يتخرج مجيدا للغة الإنجليزية تحدثا وكتابة لدرجة تؤهله للقبول في أي وظيفة تستلزم إتقانه هذه اللغة، وبالتالي فهي مناشدة للمدارس العالمية بأن تضع اللغة العربية والدراسات الإسلامية أولوية مثلها مثل باقي المواد، ولا أظن أن الطلبة الذين يستطيعون إتقان اللغة الإنجليزية ودراسة موادهم كلها بها، سيصعب عليهم دراسة اللغة العربية وإتقان أسسها البسيطة التي تُقدّم لطلبة المدارس في مناهجنا المعتمدة.
أخيرا.. دعوة جادة لحل أزمة الجيل القادم، الذي وصل به الحال أن يصلي بآيات لايفهمها، ولايعرف أحكامها، ولايدري مايقول فيها، بعد أن اختصّهم الله بأن يكونوا حملة لغة الوحي، ولغة كلامه الشريف، هانت عليهم، وأهملوها حتى كادوا لا يفهمونها.
ومن منبري هذا أقول لكم إن الأمر جلل، فخذوا بأيدي أبنائكم لفهم لغتهم ودينهم وهويتهم، اقرأوا معهم ولو أربع آيات من كتاب الله كل جمعة، واشرحوها وأقرأوا تفسيرها وأعربوها إعرابا بسيطا، أفهموهم أن لغتنا هويتنا، وبها تتكون أدمغتنا، وفيها حفظ ديننا وقيمنا وكرامتنا، وبها ميزنا الله عن المسلمين الأعاجم الذين يطيلون القيام ولا يفهمون من آي الله شيئا، ويذرفون الدموع ولا يعرفون مما يُدعى شيئا.
اللهم أعزنا بالإسلام وأعز الإسلام بنا.




