مقالات

أوديسة الإنسان 

بقلم الكاتبه: سوسن توفيق حنفي

بقلم الكاتبه: سوسن توفيق حنفي

عندما شاهدتُ فيلم «الأوديسة»، لم تستوقفني الحكاية بقدر ما استوقفتني المعاني التي كانت تتوارى خلفها. كنت أتابع رحلةً في ظاهرها عبر البحار، لكنني وجدتني أفكر في رحلات أخرى لا تحتاج إلى سفن، وفي بحارٍ لا ماء فيها، وفي عواصف تعبر القلوب والأرواح لا السواحل.

ومن هناك أخذت الأفكار تتداعى في ذهني، حتى بدا لي أن الأوديسة ليست حكاية بطلٍ قديم بقدر ما هي صورة مكبّرة لشيء نعيشه جميعًا وهو ملحمة الإنسان في هذه الحياة.

وـ الأوديسة ـ  في أصلها كلمة غير عربية، ارتبطت بملحمة هوميروس القديمة ورحلة أوديسيوس الطويلة في طريق عودته إلى وطنه بعد حرب طروادة، ثم تجاوزت الكلمة مع الزمن معناها الأول، وصارت تُستعمل في الأدب الحديث للدلالة على الرحلة الطويلة الشاقة، المملوءة بالمحن والتيه والمغامرات والتحولات.

وأحب أن أراها بمعنى أوسع وأقرب إلينا وهو ملاحم الحياة.

فلكل إنسان أوديسّته التي لا يعرفها سواه من رحلة طويلة لا تُقاس بالمسافات التي قطعها، بل بما عبره من أفراح وخيبات، وما فقده، وما قاومه، وما تعلّمه، وكم مرة ضلّ الطريق ثم اهتدى إليه من جديد.

ليست الأوديسة إذًا حكاية رجلٍ أضاع طريقه إلى الوطن فحسب بل لعلها في معناها الأبعد كما خُيّل حكاية الإنسان منذ أن وطئت قدماه هذه الأرض ، يخرج، ويتيه، ويصارع، ويُفتن، ويفقد، ثم يمضي بقلبٍ لم يعد هو القلب الذي بدأ به الرحلة.

وفي كل رحلة طويلة سؤالٌ خفيّ لا نسمعه في أول الطريق وهو هل نحن نسافر لنصل، أم نسافر لكي نصبح جديرين بالوصول؟

ذلك هو المعنى الذي ظل يلحّ عليّ وأنا أتأمل الأوديسة. فالبحر فيها ليس ماءً فحسب، والعواصف ليست طقسًا، والوحوش ليست دائمًا كائنات غريبة، إنها استعارات كبرى لما يلقاه الإنسان في حياته من الخوف، والرغبة، والغرور، والفقد، والانتظار، والإغراء، والوحدة، وتلك اللحظات التي ربما يصبح الرجوع فيهاأصعب من الاستمرار في الضياع.

ولعل الإنسان لا يحتاج إلى سفينة كي يعيش أوديسّته الخاصة. يكفي أن يعيش طويلًا نوعًا ما.

من أغرب أوهامنا أننا نظن أن الحياة طريق مستقيم. نولد، فنتعلم، فنعمل، فننجح، فنستقر، ثم نمضي في هدوء إلى خواتيم أعمارنا.

لكن الحياة لا تحترم هذه الخرائط.

كم من إنسان أعدّ نفسه لوصولٍ لم يحدث، وكم من آخر بلغ ما كان يتمناه فاكتشف أن قلبه لم يصل معه. وكم من باب ظنناه نهاية الطريق فإذا وراءه طريق آخر، ومن خسارة حسبناها انطفاءً فإذا بها بداية بصيرة لم تكن لتولد في الرخاء.

ولهذا كان من أعمق ما في الإيمان أن القرآن لم يعد الإنسان بحياة بلا عواصف، بل أخبره منذ البدء بحقيقة الطريق: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾.

في كبد. كأن المشقة ليست حادثًا طارئًا على الحياة، بل شيء من نسيجها.

وهنا يختلف المؤمن في فهم الرحلة، فهو لا يرى كل عاصفة علامةً على أنه يسير في الاتجاه الخطأ، ولا كل تأخير حرمانًا، ولا كل فقد عبثًا. ثمة أقدار لا نفهم معناها ونحن في قلبها، لأن الإنسان وهو داخل العاصفة لا يرى البحر كله.

نحن نرى الموجة. والله يرى البحر.

وفي الأوديسة يظل الوطن حاضرًا مهما ابتعد المسافر.

وهذه واحدة من أكثر أفكارها إثارةً للتأمل، لماذا يظل الإنسان مشدودًا إلى شيء وراءه، حتى وهو يملك أمامه عوالم جديدة؟!

ربما لأن الإنسان كائنٌ يبحث عن العودة أكثر مما يبحث عن الوصول؟

وللدين فلسفة عجيبة في هذا المعنى. فنحن نقول عند المصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

ولطالما استوقفتني كلمة «راجعون». لم يقل: ذاهبون. قال: راجعون. والرجوع لا يكون إلا إلى أصل.

كأن الحياة كلها، على اتساعها وضجيجها وطموحاتها وانتصاراتها وهزائمها، رحلة ابتعاد مؤقتة، ثم عودة.

نولد فنبتعد. نكبر فننشغل. نملك فنظن أننا استقررنا. ثم تبدأ الحياة، شيئًا فشيئًا، في تعليمنا فنَّ التخفف.

يذهب الشباب. ويتفرق الأحبة. وتبهت المناصب. وتتبدل الوجوه.

وتصبح أشياء قاتلنا يومًا من أجلها صغيرةً إلى حد أننا نعجب كيف استطاعت أن تستنزف كل ذلك القلق من قلوبنا!

حتى يأتي يوم لا يبقى فيه من الرحلة إلا المسافر وعمله.

وحينها نفهم أن كثيرًا مما سميناه في الدنيا (امتلاكًا) لم يكن إلا استعارةً قصيرة الأجل.

ولعل أخطر ما في الرحلات ليس العواصف، بل الإغراء بالتوقف في المكان الخطأ. أن يجد الإنسان راحةً مؤقتة فيظنها وطنه. أن يغريه نجاحٌ فيقيم فيه. وأن يسكره مديح الناس فينسى نفسه. أن يمنحه المنصب شعورًا بالقوة فيتوهم أن الكرسي جزء من جسده. وأن يجمع المال حتى يتحول المال من وسيلة يحملها في يده إلى سيدٍ يحمله من عنقه.

إن للإنسان في حياته جزرًا كثيرة جميلة، وبعضها أشد خطرًا من العواصف، لأن العاصفة تدفعك إلى النجاة، أما النعيم فقد يقنعك ألا تكمل الطريق.

ولهذا ربما لم يكن الزهد في جوهره أن ترفض الدنيا، بل ألا تسمح لها بأن تقنعك بأنها النهاية.

أن تمتلك الأشياء دون أن تمتلكك، وأن تنجح دون أن تعبد نجاحك. وأن تحب دون أن تنسى أن كل من تحب راحل. وأن تعرف أن ما بين يديك نعمة، لا ضمان.

لكن الرحلات الطويلة لا تأخذ منا الأشياء فقط. إنها تأخذ منا نسخًا قديمة من أنفسنا.

نعود من بعض التجارب فلا نجد الشخص الذي دخلها وهذا أكثر مايثير حيرتي وتأملي.

شيء ما يكون قد مات في الداخل من سذاجة، أو ثقة مطلقة، أو خوف قديم، أو وهم عن الناس، أو تصور طفولي عن عدالة الحياة المطلقة.

ولهذا قد يعود الإنسان إلى المكان نفسه، فلا يعود إليه حقًا!

فالبيوت كما هي، والشوارع كما هي، والأبواب في مواضعها، لكن الذي عبر الباب هذه المرة إنسان آخر!

وهذه ربما أقسى مفارقات العودة .

أن تصل أخيرًا إلى المكان الذي اشتقت إليه، ثم تكتشف أن الذي كان يشتاق إليه لم يعد موجودًا تمامًا.

ومن هنا أفهم شيئًا من حكمة الابتلاء.

فالابتلاء ليس دائمًا عقوبة، ولا هو مجرد امتحان عابر تنتهي مهمته بانتهاء الألم. أحيانًا يكون إعادة تشكيل كاملة للروح.

تدخل التجربة بشخصية، وتخرج منها بأخرى. وتحسب أثناءها أنك تفقد أشياءك، بينما القدر في مستوى لا تراه بعد يعيد ترتيبك أنت.

قال تعالى:﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

وليس الخير دائمًا أن يعيد الله إليك ما فقدت.

قد يكون الخير أن يصنع الفقد منك إنسانًا لم تكن لتصير إليه لو بقي كل شيء على حاله.

وأشد ما تعلّمه الأوديسات الطويلة للإنسان هو التواضع.

في أول العمر نبالغ في الاعتقاد بأننا نقود السفينة.

فنخطط، ونحسب، ونختار، ونحدد المواعيد، وقد نضع لأنفسنا صورة دقيقة للسنوات المقبلة.

ثم تأتي موجة واحدة لا موعد لها فتغيّر الخريطة كلها.

مرض، أو موت، أو لقاء، أو فراق، أو حادث، أو فرصة، أو مجرد كلمة أو قرار اتخذناه في دقيقة فغيّر عشرين عامًا بعده.

وحين يتأمل المرء حياته بصدق يكتشف أن بعض أكبر التحولات فيها لم تكن ضمن خطته أصلًا.

وهنا تتجلى المسافة الدقيقة بين الأخذ بالأسباب والتوكل.

ليس التوكل أن تترك الدفّة.

وليس الأخذ بالأسباب أن تتوهم أنك تملك البحر.

فقط أحسن قيادة سفينتك ما استطعت، لكن عليك أن تحتفظ في قلبك بذلك الأدب العظيم مع القدر وتذكر

أنا مسؤول عن الإبحار، ولست ربَّ الريح.

ومع مرور السنين، يتغير أيضًا معنى النجاة.

في الصغر نظن النجاة أن نحصل على ما نريد.

ثم نكبر فنعرف أن بعض النجاة كانت في أشياء لم نحصل عليها.

كم من باب بكينا لأنه أُغلق، ولو فُتح لأدخلنا إلى عمرٍ لا يشبهنا.

وكم من إنسان تمنيناه، ثم عرفنا بعد سنوات أن غيابه كان رحمة.

وكم من تأخير حسبناه قسوة، ثم اكتشفنا أن الوصول المبكر كان سيهلكنا.

إننا نحاكم أقدارنا غالبًا من منتصف الحكاية.

وهذه مشكلتنا.

نقرأ صفحةً واحدة ونريد أن نحكم على الرواية كلها.

أما الإيمان فيعلّم الإنسان شيئًا أشق من الفهم وهو

أن يطمئن أحيانًا قبل أن يفهم.

ثم ماذا بعد كل هذا التيه؟

ماذا يريد الإنسان في آخر الطريق؟

لست أظن أنه يريد الأشياء نفسها التي أرادها في بدايته.

فالمرء في شبابه يريد أن يُرى. ثم ينضج فيريد أن يُفهم. ثم يتعب فيريد أن يطمئن.

ثم يدرك، في مرحلة متأخرة من الحكمة، أن أعظم ما يمكن أن يطلبه ليس أن يعرفه الناس، بل أن يعرف هو نفسه، وأن يعرف ربَّه، وأن يصل إلى آخر أيامه وقد خفَّت خصوماته مع الحياة.

أن يغفر أكثر. وأن يندم أقل.

أن يحمل من الدنيا ما يكفيه، لا ما يثقله.

أن يكون قد ترك في القلوب رحمة، وفي صحيفته عملًا صالحًا، وفي نفسه قدرًا من السلام يسمح له حين يأتي نداء العودة ألا يشعر أنه يُنتزع من وطنه، بل أنه يعود إليه.

ولعل هذه هي الأوديسة الحقيقية.

ليست أن تعبر البحار وتنجو من الوحوش وتقاوم العواصف. بل أن تعبر الدنيا دون أن تفقد روحك فيها.

أن تعرف متى تقاتل، ومتى تصبر، ومتى تترك، ومتى تعود.

أن تمرّ بالنعمة فلا تطغى، وبالفقد فلا تيأس، وبالقوة فلا تتكبر، وبالضعف فلا تنكسر، وبالناس فلا تجعل رضاهم قبلتك.

وأن تدرك أخيرًا أن الحياة لم تكن سباقًا إلى أبعد مكان، بل رحلةً إلى أصدق معنى.

فبعض الناس يطوف الأرض كلها ولا يصل إلى نفسه.

وبعضهم لا يبرح مكانه، لكنه يقطع في معرفة الله والنفس والحياة مسافاتٍ لا تقطعها السفن.

وما العمر، في النهاية، إلا أوديسة قصيرة بين ميلادٍ لا نذكره وموتٍ لا نعرف موعده.

نبحر فيها بأقدارنا، ونحمل معنا أعمالنا، وتتقاذفنا أمواج لا نختار أكثرها.

ثم إذا انقضى كل شيء، وسكنت الريح، وطُويت الأشرعة، وانطفأ صخب البحر، أدركنا الحقيقة التي كانت معنا منذ أول الرحلة، أننا لم نكن نبحث عن وطنٍ في آخر الأرض.

كنا، منذ البداية، في طريق العودة إلى الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬