كل الطرق تؤدي إلى روما… إلا الطريق الذي يفقدك نفسك

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
من أغرب العبارات التي عبرت القرون قولهم: «كل الطرق تؤدي إلى روما».
عبارة تبدو للوهلة الأولى حديثًا عن الطرق، لكنها حين تمرّ على الحياة تتحول إلى سؤال فلسفي كبير: هل تكفي صحةُ النهاية لتبرير كل ما فعلناه في الطريق إليها؟
في الحقيقة، ليست «روما» مدينة دائمًا.
قد تكون روما حلمًا نطارده، أو شخصًا نريده، أو مكانةً نطمح إليها، أو نجاحًا ننتظره، أو قلبًا نحاول الوصول إليه. ولكل واحد منا روما خفية يسافر نحوها، حتى وإن ظل جالسًا في مكانه.
لكننا نختلف في شيء واحد: الطريق.
فبعض الناس يريد الوصول ولو خسر نفسه، وبعضهم يستطيع أن يربح لكنه يرفض انتصارًا يخجل من طريقته. هناك من يصل لأنه كان أسرع، وهناك من يصل متأخرًا لأنه توقف كثيرًا كي لا يدوس قلبًا في طريقه.
وهنا لا تعود المسألة: من وصل أولًا؟
بل: من بقي إنسانًا حين وصل؟
نحن نبالغ أحيانًا في تقديس النهايات؛ نصفق للناجح ولا نسأل كيف نجح، ونحسد من امتلك ولا نعرف ماذا فقد، ونرى الصورة الأخيرة من الحكاية ولا نعرف كم شيء انكسر خارج إطارها.
فالناس يرون «روما»… ولا يرون الطريق.
يرون المنصب ولا يعرفون ثمنه، يرون الابتسامة ولا يعرفون ما وراءها، يرون العلاقة ولا يعرفون ما دُفع لبقائها، ويرون الوصول ولا يعرفون كم مرة جلس صاحب الرحلة وحيدًا يسأل نفسه: هل يستحق الأمر كل هذا؟
ولهذا قد يكون الإنسان في المكان الذي تمناه طوال حياته، ومع ذلك يشعر أنه ضائع.
لأنه اكتشف متأخرًا حقيقة موجعة:
ليس كل وصول نجاة، كما أن ليس كل ضياع هزيمة.
كم من طريق ظننّاه ضياعًا فأعادنا إلى أنفسنا، وكم من باب بكينا لأنه أُغلق ثم عرفنا بعد سنوات أن إغلاقه كان رحمة، وكم من شخص تمنينا بقاءه ثم أدركنا أن رحيله أعاد ترتيب شيء عميق في أرواحنا.
نحن لا نعرف قيمة بعض المنعطفات إلا بعد أن نتجاوزها.
ولهذا فإن أكثر ما يرهق الإنسان ليس الطريق الطويل، بل إصراره على طريق انتهى.
أن يقف أمام باب مغلق ويقنع نفسه أنه سيفتح يومًا، أن يواصل علاقة استنفدت معناها، أن يركض خلف شخص اختار الابتعاد، أن يحاول إثبات قيمته لمن قرر ألا يراها، أو أن يمضي في اتجاه لم يعد يشبهه فقط لأنه قطع فيه مسافة طويلة.
وهنا تخدعنا فكرة أخرى:
لقد قطعت كل هذه المسافة، فلا يمكنني العودة.
لكن الحكمة تقول العكس.
فالعودة من الطريق الخطأ ليست خسارة للمسافة، بل إنقاذ لما بقي من العمر.
وكم نحتاج إلى شجاعة كي نفهم أن تغيير الطريق لا يعني أننا فشلنا؛ ربما يعني فقط أننا أصبحنا أكثر وعيًا من الشخص الذي اختاره في البداية.
فالطرق لا تكشف الأماكن فقط… الطرق تكشفنا نحن.
هناك طريق يعلمك الصبر، وآخر يعلمك الحدود، وثالث يعلمك ألا تمنح قلبك كاملًا قبل أن تعرف أين تضعه. وهناك طريق قاسٍ لا يمنحك ما أردت، لكنه يمنحك شيئًا أهم: البصيرة.
حتى الأشخاص في حياتنا يشبهون الطرق.
بعضهم طريق واسع تمشي فيه مطمئنًا، وبعضهم منعطف يغير اتجاهك، وبعضهم جسر يعبر بك مرحلة ثم ينتهي دوره، وبعضهم طريق مسدود لا تكون حكمته في أن تكمله، بل في أن تعرف متى تعود.
وهناك أشخاص لا يدخلون حياتنا ليبقوا؛ يدخلونها ليكشفوا لنا شيئًا عن أنفسنا لم نكن نعرفه.
يعلموننا أين نضع حدودنا، ومتى نصمت، ومتى نغادر، ومتى نتوقف عن تفسير أنفسنا، ومتى ندرك أن الحفاظ على كرامتنا ليس قسوة، وأن بعض المسافات احترام للنفس وليست عقابًا لأحد.
ومع العمر نفهم أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الوصول إلى كل ما أراده.
بعض الأمنيات لو تحققت في وقتها لأفسدت حياتنا، وبعض الأشخاص لو بقوا لما أصبحنا ما نحن عليه، وبعض الطرق لو استمرت بنا لما عرفنا الطريق الذي يستحقنا.
لذلك لا تحزن طويلًا على «روما» لم تصل إليها.
ربما لم تكن روما التي تناسبك أصلًا.
وربما كانت الحياة طوال الوقت لا تمنعك من الوصول، بل تحاول أن تقول لك: هناك مكان آخر يشبهك أكثر.
إن النضج الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن سؤال الحياة:
لماذا لم أصل؟
ونبدأ بسؤال أكثر عمقًا: ماذا تعلّمت وأنا أحاول الوصول؟
عندها نكتشف أن بعض الرحلات كانت أهم من وجهاتها، وأن بعض الخسارات أنقذتنا، وأن بعض التأخير أعاد تشكيلنا، وأن الأشياء التي لم نحصل عليها تركت فينا من الحكمة أكثر مما تركته أشياء كثيرة امتلكناها.
فالحياة ليست سباقًا إلى روما.
الحياة رحلة طويلة بين طرق كثيرة، نختار بعضها، وتختار لنا الأقدار بعضها الآخر. وفي النهاية لا تكون القيمة الحقيقية في عدد الأماكن التي وصلنا إليها، بل في الإنسان الذي خرج من كل تلك الطرق.
لذلك، إن قيل لك يومًا: «كل الطرق تؤدي إلى روما»
فقل: ربما…
لكنني لا أريد طريقًا يوصلني إلى روما ويتركني غريبًا عن نفسي.
أريد الطريق الذي إن طال علّمني، وإن تعثرت فيه أنضجني، وإن خسرت فيه شيئًا لم يجعلني أخسر مبادئي، وإن وصلت في نهايته متأخرًا وصلت وأنا ما زلت أعرف نفسي.
فأعظم نجاح في الحياة ليس أن تصل إلى كل ما تريد…
بل أن تصل إلى نهاية الطريق، ثم تنظر في المرآة، فتجد أن الإنسان الذي بدأ الرحلة ما زال قادرًا على احترام الإنسان الذي أنهاها.
وهنا فقط نفهم المعنى الأعمق:
ليست الحكمة في أن تعرف أي الطرق يؤدي إلى روما…
الحكمة أن تعرف أيَّ طريقٍ يستحق أن تمشيه.




