Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

حين لاتكفي الإشارة

بقلم الكاتبة : رجاء الطويل

بقلم الكاتبة : رجاء الطويل

‏ثمة شيء غريب حدث لنا ونحن نحاول أن نفهم بعضنا فقد تجاوزنا الرغبة الطبيعية في معرفة الإنسان إلى هوس تفكيكه وأعادة تركيبه كقطع أحجية  ـ بازل ـ .

نلهث خلف كتب ،ودورات ،تعدنا أن نصبح خبراء في قراءة البشر، نراقب العيون، ونفك شفرات الوجوه‏.

‏ متناسين أو نسينا بالفعل أن الإنسان أعمق وأعقد من إشارات خارجية، انه روح ،وتجربة وذكريات ،وظروف، فكيف سولت لنا أنفسنا أن نتجرأ ونحوله بكل ما يحمله من خبايا و خفايا إلى مجرد إشارة؟

‏ومن نحن حتى نضع أنفسنا موضع الحَكم عليه بناء على رفه جفن ،أو التفاتة جسد.

‏لا ننكر أن للجسد لغة  ـ نعم ـ  وأن بعض الحركات قد تكشف عن توتر أو ارتباك ولكن لا يجب أن تتحول تلك القراءة إلى حقيقة لمجرد أننا تعلمنا مصطلحاتها ،فليس كل من أشاح بنظره كاذب ولا كل من عقد ذراعيه رافضا لما يقال.

تتشابه الإشارات لكن أسبابها لا تتشابه بالضرورة فكل الأمور في حقيقتها قابلة لأكثر من تفسير.

وعلى ما يبدو أصبحنا لا نكتفى بالملاحظات فانتقلنا بعد أن اكتسبنا ثقة أكبر في قدرتنا هذه إلى سوء ظن ونحن نظن أننا على قدر من الفطنة ،وتعاملنا مع تلك الحركات والإيماءات على أنها حقيقة تصل حد اليقين.

‏عجبا! ‏أنى لنا هذا؟ فالإنسان ليس جسدا منفصلا عن روحه ولا وجها مستقلا عن قلبه وما يظهر منه قد يتصل بتجربة عاشها ،أو صراع داخلي لا يملك القدرة على شرحه

‏ولأنه ليس بين أيدينا كامل القصة ملأنا الفراغ بين العلامة وحقيقتها من عندنا ،ومنحناها مئه تفسيرا،و ألف معنى. يجب أن ننتبه إلى دقيق الفرق بين ما نراه وما نزعم أننا عرفناه، مثلا نقول لاحظت أن فلان متوتر ملاحظة غبار عليها . وهذا يختلف تماما على أن نقول بدا متوترا لأنه يكذب الأولى ملاحظة وباب الاحتمالات مفتوح ،الثانية انتقلنا إلى إصدار أحكام ومحاولة الدخول إلى باب لا نملك مفاتيحه  ـ السرائر ـ .

(وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚوَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) [سورة محمد: الآية 30]

‏أخبرنا السميع العليم أن الإنسان قد يظهر شيء من نفسه على ملامحه أو نبرة صوته فما في الداخل لا يبقى دائما حبيس الداخل لكن الآية لا تجعل كل إشارة دليل قطعي ولا تمنحنا كبشر علم مطلق بما تخفيه الصدور

(وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ) يفتح باب للتأمل في حدود ما يظهر.

(وَلَوْ نَشَاءُ)ولم يفعل سبحانه وتعالى لحكمة الستر على الخلق وحمل الأمور على ظاهر السلامة.

دين يدعو إلى الفطنة واليقظة دون اندفاع خلف الشك وتصيد العيوب من الحركات ويوازن بين الملاحظة والعدل

وحفظ حرمة الإنسان وحقه في أن يكون له مساحته الخاصة.

لذلك ربما لا يكفي أن نتعلم كيف نقرأ الآخرين فحسب بل أن ندرك أن خبرتنا ليست حُكماً مطلقاً، وفطنتنا لاينبغي أن تتحول إلى سوء ظن ،وأن الإنسان لا يُختصر في حركة قد يكون لم يقصدها، وربما كذلك يجب أن نتحلى بالرقي الأخلاقي بأن نترك للآخر مساحته الخاصة.

هل عرفت الآن متى يجب أن تتوقف عن القراءة ؟

خلف ملامح الجفاء معارك خفيه

.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬