مقالات

العلم الشرعي فضله ومكانة أهله

حسن بن محمد منصور مخزم دغريري

حسن بن محمد منصور مخزم دغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين :

إخواني القراء الكرام : لقد بيَّن الله فضل العلم الشرعي وأهله في كتابه العزيز ، وسنة نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم ؛ إذ به يعرف الهدى من الضلال ، والحق من الباطل ؛ وبه يعرف الله وأسماؤه وصفاته ، وبه يعرف الحلال من الحرام ، والسنة من البدعة ، ويعرف دين الله عقيدةً ، وشريعةً ، ومعاملةً ، وأخلاقاً وسلوكاً ، فلهذه الأسباب وغيرها ؛ عظَّم الله من شأن العلم الشرعي ، وعظَّم من شأن أهله في الكتاب والسنة ؛ فإليكم معاشر الإخوة قبساً نيِّراً منها لتتحفز النفوس إلى طلب العلم الشرعي ، ومجالسة أهله العاملين به ؛ ولنعبد الله على بصيرةٍ من ديننا ، ولنستغل أوقاتنا بأحبِّ الأعمال إلى الله تعالى وهو طلب العلم الشرعي : فيقول الله تعالى في سورة المجادِلة : – يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات – قال ابن عباس رضي الله عنهما : العلماء فوق المؤمنين مائة درجة ما بين الدرجتين مائة عام . ويقول تعالى في سورة آل عمران : – شهد الله أنَّه لا إله إلاَّ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم – قال ابن القيم الجوزية رحمه الله في بدائع التفسير : استشهد سبحانه بأولي العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال : – شهد الله أنَّه لا إله إلاَّ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط – وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه :

أحدها : استشهادهم دون غيرهم من البشر .

الثاني : اقتران شهادتهم بشهادته سبحانه .

الثالث : اقترانها بشهادة ملائكته .

الرابع : أنَّ في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم ؛ فإنَّ الله لايستشهد من خلقه إلاَّ العدول ، ومنه الأثر المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم : – يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله ؛ ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين – والحديث صحَّحه الإمام أحمد بن حنبل وغيره انتهى كلام ابن القيم رحمه الله .

وقال الله تعالى في سورة الزمر : – أمَّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنَّما يتذكر أولو الألباب – قال الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره فتح القدير : – قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون – الذين يعلمون أنَّ ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حقٌّ ، والذين لا يعلمون ذلك ؛ أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله ، والذين لا يعلمون ذلك …ومعلوم عند كل من له عقلٌ أنَّه لا استواءَ بين العلم والجهل ، ولا بين العالم والجاهل . انتهى كلامه رحمه الله .

وقال الله تعالى في سورة النحل : – وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون – قال الإمام الشنقيطي رحمه الله في تفسيره أضواء البيان : يفهم من هذه الآيات أنَّ الله لم يرسل امراةً قط ؛ لقوله : – وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً – ويفهم من قوله : – فاسألوا أهل الذكر – أنَّ من جهل الحكم يجب عليه سؤال العلماء ، والعمل بما أفتوه به ، والمراد بأهل الذكر في الآية أهل الكتاب ، وهذه الأمة أيضاً يصدق عليها أنَّها أهل الذكر لقوله : – إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . انتهى كلامه رحمه الله .

وقال الله تعالى في سورة فاطر : – إنَّما يخشى الله من عباده العلماء – وقال تعالى في سورة البينة : – إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه

قال بدر الدين الشافعي رحمه الله في أول كتابه تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم : فاقتضت الآيتان أنَّ العلماء هم الذين يخشون الله تعالى ، وأنَّ الذين يخشون الله تعالى هم خير البرية ، فينتج أنَّ العلماء هم خير البرية . انتهى كلامه رحمه الله .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أهمية العلم الشرعي ، وفضله ، ومكانة أهله عند الله قوله صلى الله عليه وسلم : – من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين – رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .

وقال صلى الله عليه وسلم : – العلماء ورثة الأنبياء – رواه أبو داود وغيره ؛ قال بدر الدين الشافعي في كتابة التذكرة : وحسبك بهذه الدرجة مجداً وفخراً ، وبهذه الرتبة شرفاً وذكراً ، فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة ، فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة . انتهى كلامه رحمه الله . وقال صلى الله عليه وسلم : – فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم – رواه الترمذي في سننه ، وصحَّحه الإمام الألباني في صحيح الجامع برقم 4213 .

وقال صلى الله عليه وسلم : – من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك به طريقاً من طرق الجنة ، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضا اللهِ عنه ، وإنَّ العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء ، وإنَّ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ؛ فإنَّ العلماء ورثة الأنبياء ، وإنَّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنَّما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر – رواه أبو داود وغيره ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم 6297 .

معاشر القراء : إليكم بعض الآثار السلفية ؛ التي تبيِّن فضل العلم الشرعي ؛ لتحملنا هذه الآثار على الاستمرار في تحصيل العلم الشرعي عن طريق وسائله المختلفة مقروءةً أو مسموعةً أو مرئيةً ؛ وأفضلها مجالسة العلماء ، وطلاب العلم السلفيين مباشرةً ، وسؤالهم عمَّا أشكل علينا من أمور ديننا ؛ فإذا فعلنا ذلك كان سبباً في نيلنا رضا الله ورحمته ؛ وتوفيقنا للعمل الصالح ؛ الذي به نجاتنا من عذاب السعير ؛ يقول أبو مسلم الخولاني رحمه الله : العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا بدت للناس اهتدوا بها ، وإذا خفيت عليهم تحيروا . وقال أبو الأسود الدؤلي : ليس شيءٌ أعز من العلم ؛ الملوك حكام على الناس ، والعلماء حكام على الملوك . ومعنى ذلك أنَّ ولاة الأمور ينفذون أحكام الله تعالى التي جاءت في الكتاب والسنة بعد أن يصلهم حكمها من علماء الشريعة العارفين بها ؛ فبطاعة ولاة الأمور من العلماء والأمراء تقام الحدود ، وتحقن الدماء ، وتحفظ الأموال والأعراض ، ويسود الأمن بعد الخوف ، والشبع بعد الجوع ، فاعرفوا لهم قدرهم .

ومما يدل على فضل العلم وتعلمه ما أثر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّه قال : تعلموا العلم ، فإنَّ تعلمه حسنة ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وبذله قربة ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة . وقال سهل التستري : من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء ، فاعرفوا لهم قدرهم . وقال الشافعي : إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء لله فليس لله ولي . وعن ابن عـمر أنَّه قال : مجلس فقهٍ خيرٌ من عبادة ستين سنة . وعن سفيان الثوري والشافعي رحمهما الله : ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم . وعن أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : بابٌ من العلم نتعلمه أحبُّ إلينا من ألف ركعة تطوعاً ، وبابٌ من العلم نعلمه عُمل به أو لم يعمل به أحب إلينا من مائة ركعة تطوعاً . قال الشيخ بدر الدين الشافعي : وقد ظهر بما قلناه أنَّ الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات البدنية من صلاةٍ وصيامٍ وتسبيحٍ ودعاءٍ ونحو ذلك ، وذلك لأنَّ نفع العلم يعمُّ صاحبه والناس ، والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها ، ولأنَّ العلم مصحِّحٌ لغيره من العبادات ؛ فهي تفتقر إليه ، وتتوقف عليه ، ولا يتوقف هو عليها ، ولأنَّ العلماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم ، وليس ذلك للمتعبدين ، ولأنَّ طاعة العالم واجبةٌ على غيره فيه ، ولأنَّ العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه ، وغيره من النوافل تنقطع بموت صاحبها ، ولأنَّ في بقاء العلم إحياءَ الشريعة وحفظ معالم الملة . انتهى كلامه رحمه الله بتصرف .

معاشر القراء : هذه بعض الآثار السلفية ، وقبلها نصوص الكتاب والسنة في بيان فضل العلم الشرعي ، والتفقه في الدين ؛ ومكانة أهله عند الله في الدنيا والآخرة ؛ والله نسأل علماً نافعاً ؛ ورزقاً واسعاً ، وعملاً صالحاً متقبلاً ؛ ومختماً حسناً ؛ وجنةً وحبوراً ، ونجاةً من عذاب القبر والسعير ؛ ووالدينا ، ووالديهم ؛ وجميع قراباتنا والمسلمين أجمعين . اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬