عادات تجمع القلوب… وعادات تُرهقها.

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
كان للفرح قديمًا طعمٌ لا يشبهه شيء. لم تكن الأضواء المبهرة، ولا القاعات الفاخرة، ولا الموائد الممتدة بطول المكان هي التي تصنع هيبة العرس، بل كانت المحبة هي الزينة، وكانت القلوب هي الحضور الحقيقي.
كان أهل الحي يعرفون أن في بيت فلان عرسًا، فيتركون أعمالهم ويأتون قبل الموعد بأيام، هذا يعجن، وتلك تطبخ، وأخرى تزين العروس، والرجال ينصبون الخيام، والصغار يركضون بين الجميع بضحكات لا تعرف التكلف. لم يكن أحد ينتظر دعوة مطبوعة ولا بطاقة مذهبة، فالدعوة كانت علاقة، والفرحة كانت مسؤولية يتقاسمها الجميع.
وكان الطعام بسيطًا… لكنه مبارك. ذبيحة أو اثنتان، وأطباق من الأرز، وما تيسر من النعمة. يأكل منها الغني والفقير، والكبير والصغير، ويخرج الجميع شاكرين، لا لأن المائدة كانت عامرة بما لذ وطاب، بل لأن النفوس كانت عامرة بالمودة والرضا.
لم يكن أحد يسأل: كم بلغت تكلفة العرس؟ ولا كم نوعًا من الحلويات قُدم؟ ولا كم كانت قيمة القاعة؟ كان السؤال الوحيد: “هل فرح أهل العريس؟ وهل دُعي الجيران والأقارب؟”
ثم تغيرت الأحوال…
أصبح العرس عند كثير من الناس ساحةً للمنافسة، لا مناسبةً للمباركة. قاعات بمبالغ تكفي لبناء بيت، وزينات تُزال بعد ساعات، وموائد تعجز العين عن عدّ أصنافها، وهدايا، وتصوير، وفقرات، ومظاهر لا تنتهي، حتى أصبح البعض لا يقيم العرس كما يريد، بل كما يريده الناس أن يروه.
وأصبحنا نسمع بعد كل زواج عباراتٍ غريبة: “لو شفتوا زواج فلان!”، “ما قد صار مثله!”، وكأن نجاح الزواج أصبح يُقاس بعدد الطاولات، لا بعدد الدعوات الصادقة التي رُفعت للعروسين.
لكن قليلًا من الناس يسأل: ماذا بقي بعد أن انطفأت الأنوار؟ وكم دينًا بقي على الأب؟ وكم سنة سيقضيها العريس يسدد أقساط ليلةٍ انتهت قبل طلوع الفجر؟ وكم أم باعت ذهبها، وكم أب استدان، فقط ليقال إن زواج ابنه كان حديث المجالس؟
يا للعجب… ساعات من المظاهر، وسنوات من الديون.
ولم يتغير الزواج وحده، بل تغيرت الحياة كلها.
كانت البيوت قديمًا صغيرة، لكنها تتسع للجميع. وكانت الأرزاق قليلة، لكنها مباركة. إذا طبخت امرأةٌ قدرًا أرسلت نصفه إلى جارتها، وإذا ذبح رجل شاةً عرف الفقير نصيبه منها قبل أن يجلس هو إلى مائدته.
أما اليوم… فالمنازل اتسعت، والقلوب ضاقت. ازدادت النعم حتى امتلأت بها الموائد، ثم انتهى كثير منها في حاويات النفايات، بينما هناك من ينام جائعًا لا يجد كسرة خبز، أو أرملة تخفي دموعها عن أطفالها، أو أسرة تنتظر من يطرق بابها بلقمةٍ تحفظ كرامتها.
صرنا نشتري ما يزيد عن حاجتنا، ونرمي ما يزيد عن بطوننا، ثم نتساءل: أين البركة؟
كيف لا تُنزع البركة، وقد غاب السؤال عن المحتاج؟ وكيف تدوم النعم، ونحن نفاخر بها أكثر مما نشكر الله عليها؟
حتى العلاقات تبدلت. كان الأخ يشعر بأخيه قبل أن ينطق، والجار يعرف حاجة جاره من تغير ملامحه، واليوم قد يسكن الأخوان في المدينة نفسها، ولا يعلم أحدهما عن حال الآخر، وقد تمر الشهور دون سؤال، بينما تمتلئ هواتفنا بصور الولائم والسفرات والمقتنيات.
ليست المشكلة في أن يفرح الإنسان، ولا أن يوسع الله عليه، فالله جميل يحب الجمال، وقد أمرنا بإظهار نعمته علينا. لكن المشكلة حين تتحول النعمة إلى سباق، والفرح إلى استعراض، والكرم إلى إسراف، حتى يصبح همّ الناس أن يُدهشوا الحاضرين أكثر من أن يبارك لهم الحاضرون.
إن أجمل الأعراس ليست تلك التي تتصدر منصات التواصل، بل تلك التي يبدأ أصحابها حياتهم مطمئنين، بلا ديون تثقل كواهلهم، ولا أقساط تسلبهم فرحتهم، ولا همٍّ يرافقهم بعد انفضاض المدعوين.
فلنعد إلى شيءٍ من بساطة الأمس، لا في شكل الحياة، بل في روحها. لنجعل أفراحنا بابًا للمودة، لا للمباهاة، ولنجعل من نعم الله وسيلةً لإطعام جائع، وإكرام محتاج، وإدخال السرور على قلبٍ أنهكه الفقر، لا وسيلةً لالتقاط صورةٍ تُنسى بعد أيام.
فالناس لا تتذكر بعد سنوات لون الورود، ولا عدد الأطباق، ولا فخامة القاعة… لكنها تتذكر صاحب القلب الكريم، والبيت الذي خرجت منه وهي تدعو لأهله بالبركة.
رحم الله زمنًا كانت فيه القلوب أغنى من الجيوب، وكانت البركة تسكن القليل، وكان الفرح يُصنع بالمحبة، لا بالفواتير.




