مقالات

صفات المؤمنين المفلحين

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، ثمَّ أمَّا بعد : 

معاشر القراء الفضلاء : يقول الله تعالى في أول سورة المؤمنون لبيان صفاتهم ، وعظيم ثوابهم عند الله : – قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ – المؤمنون : 1 – 11 يقول الشيخ محمد نسيب الرفاعي في تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير رحمهما الله : ” قوله تعالى : – قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ – أي فازوا بالجنة ، وهم المتصفون بهذه الأوصاف : – ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ – أي خاشعو القلوب ، فغضوا أبصارهم ، وخفضوا الجناح ، ولا تجاوزت أعينهم مصلاهم ؛ والخشوع في الصلاة يحصل لمن فرغ قلبه لها ؛ واشتغل بها عما عداها ، وآثرها على غيرها ؛ وحينئذٍ تكون راحةً له ، وقرة عينٍ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : – حبِّب إليَّ الطيب والنساء ؛ وجعلت قرة عيني في الصلاة – رواه الإمام أحمد والنسائي .

وقوله تعالى : – وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ – أي عن الباطل ، وهو يشمل الشرك ، والمعاصي ، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال .

وقوله تعالى : – وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ – أي زكاة الأموال قبل أن يفرض النصاب ؛ لأنَّ الآية مكية ، وأصل الزكاة كان واجباً بمكة قال تعالى في سورة الأنعام : – وآتوا حقه يوم حصاده – إنَّما فرضت بالمدينة الزكاة ذات النصاب ، والمقادير الخاصة . وقيل المراد بالزكاة : زكاة النفس من الشرك ، والدنس كقوله تعالى : – قد أفلح من زكَّاها وقد خاب من دساها – والمؤمن الكامل هو الذي يزكي نفسه مالاً ونفساً .

وقوله تعالى : – وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ – أي الذين حفظوا فروجهم من الحرام من زناً أو لواطٍ لا يقربون إلاَّ أزواجهم ، وسراريهم ، فمن تعاطى ما أحلَّه الله له ؛ فلا لوم عليه ولا حرج ، ومن ابتغى غير الأزواج ، والإماء فهم المعتدون .

وقوله تعالى : – وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ – أي إذا أئتمنوا لم يخونوا ؛ بل يؤدونها إلى أهلها ، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك ؛ لا كالمنافقين الموصوفين بقوله صلى الله عليه وسلم : – آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان – .

وقوله تعالى : – وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ – أي يواظبون عليها في مواقيتها ؛ كما قال ابن مسعود رضي الله عنه : – سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله : أي العمل أحبُّ إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها . قلت : ثمَّ أي ؟ قال : برُّ الوالدين . قلت : ثمَّ أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله – أخرجاه في الصحيحين .

وقد افتتح الله تعالى ذكر هذه الصفات الحميدة للمؤمنين بالصلاة ، واختتمها بالصلاة ، فدلَّ على أفضليتها ، ولمَّا وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة ؛ قال سبحانه : – أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ – وثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا سألتم الله الجنة ؛ فسألوه الفردوس ؛ فإنَّه أعلى الجنة ، وأوسط الجنة ، ومنه تفجر أنهار الجنة ، وفوقه عرش الرحمن – وروى ابن أبي حاتم : – ما منكم من أحدٍ إلاَّ وله منزلان : منزلٌ في الجنة ، ومنزلٌ في النار ، فإن مات ، ودخل النار ، ورث أهل الجنة منزله – فذلك قوله تعالى : – أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ – فالمؤمنون يرثون منازل الكفار ؛ لأنَّهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، فلمَّا قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة ، وتركَ أولئك ما أمروا به مما خلقوا له ؛ أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم عزَّ وجل ؛ وأبلغ من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم : – يجيء ناسٌ يوم القيامة من المسلمين بذنوبٍ أمثال الجبال ؛ فيغفرها الله لهم ، ويضعها على اليهود والنصارى – وفي لفظٍ له : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : – إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلمٍ يهودياً أو نصرانياً ، فيقال : هذا فكاكك من النار – فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلاَّ هو ثلاث مراتٍ أنَّ أباه حدَّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ قال : فحلف له – انتهى ما أردت نقله بتصرف من تيسير العلي لاختصار تفسير ابن كثير .

إخواني القراء الكرام : من خلال الآيات السابقة من سورة المؤمنون وتفسيرها ؛ وبيان ما فيها من صفات أهل الإيمان ؛ والتي يجب العمل بها ؛ والحث عليها ، وعلى غيرها من الأعمال الصالحة ؛ والتي من قام بها مخلصاً لله ؛ متبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ كان ذلك سبباً عظيماً لنيل رضا رب العالمين ، ودخول جنته ؛ التي من دخلها ينعم فيها فلا يبأس ؛ ويصح فيها فلا يسقم ؛ ويشب فيها ولا يهرم ؛ جعلنا الله وإياكم من أهلها ، ووالدينا ووالديكم ؛ وجميع الأهل والأحباب ؛ ونجانا وإياكم من أسباب سخطه وعذابه يوم يبعث عباده ؛ إنَّه ولي ذلك والقادر عليه ؛ اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬