مقالات

الحياة الطيبة

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله ، وصحبه ومن والاه ، ثمَّ أمَّا بعد :

يقول الله تعالى : – مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ – النحل : 97 قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره : – هذا وعدٌ من الله تعالى لمن عمل صالحاً – وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى ، وسنة نبيه من ذكرٍ أو أنثى من بني آدم ، وقلبه مؤمنٌ بالله ورسوله ، وإنَّ هذا العمل المأمور به مشروعٌ من عند الله – بأن يحييه الله حياةً طيبةً في الدنيا ، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة .

والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهةٍ كانت . وقد روي عن ابن عباس ، وجماعة أنًَهم فسَّروها بالرزق الحلال الطيب .

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّه فسرَّها بالقناعة . وكذا قال ابن عباسٍ ، وعكرمةٍ ، ووهب بن منبه .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أنَّها السعادة .

وقال الحسن ، ومجاهد ، وقتادة : لا يطيب لأحدٍ حياةً إلا في الجنة .

وقال الضحاك : هي الرزق الحلال ، والعبادة في الدنيا ، وقال الضحاك أيضا : هي العمل بالطاعة ، والانشراح بها .

والصحيح أنَّ الحياة الطيبة تشمل هذا كله ؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد : عن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : – قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافاً ، وقنًَعه الله بما آتاه – ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ به .

وروى الترمذي ، والنسائي من حديث أبي هانئ ، عن أبي علي الجنبي عن فضالة بن عبيد أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : – قد أفلح من هدي إلى الإسلام ، وكان عيشه كفافاً ، وقنع به – قال الترمذي : هذا حديثٌ صحيح .

وقال الإمام أحمد ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : – إنَّ الله لا يظلم المؤمن حسنةً يعطى بها في الدنيا ، ويثاب عليها في الآخرة ، وأما الكافر فيعطيه حسناته في الدنيا ؛ حتى إذا أفضى إلى الآخرة ، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا – انفرد بإخراجه مسلم . انتهى ما أردت نقله من تفسير ابن كثير رحمه الله بتصرف .

إخواني القراء الفضلاء : يؤخذ من الآية السابقة ،وتفسيرها الأمور التالية :

أولاً : أنَّ العمل الصالح لا يسمى بذلك إلا بأن يكون خالصاً لله ؛ صواباً على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ‏قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قول الله تعالى : – لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا – : أخلصه ، وأصوبه ، فقيل له : ما أخلصه ، وأصوبه ؟ فقال : إنَّ العمل إذا كان خالصاً ؛ ولم يكن صواباً لم يقبل ، وإذا كان صواباً ؛ ولم يكن خالصاً لم يقبل ؛ حتى يكون خالصاً صواباً ؛ فالخالص ما كان لله ، والصواب ما كان على السنة –

ثانياً : دليل وجوب الإخلاص لله تعالى في العمل حتى يكون صالحاً مقبولاً ؛ قول الله تعالى : – وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ – البينة : 5 وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : – قال يا رَسولَ اللهِ ، مَن أسعَدُ النَّاسِ بشَفاعَتِكَ يَومَ القيامةِ؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد ظَنَنتُ يا أبا هُرَيرةَ أن لا يَسألَني عن هذا الحَديثِ أحَدٌ أوَّلُ مِنكَ ؛ لِما رَأيتُ مِن حِرصِكَ على الحَديثِ ، أسعَدُ النَّاسِ بشَفاعَتي يَومَ القيامةِ مَن قال : لا إلَهَ إلَّا اللهُ ، خالِصًا مِن قَلبِه أو نَفسِه – .

ودليل الصواب في العمل الصالح ؛ وهو المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في فعل ذلكم العمل ؛ قول الله تعالى : – وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ – الحشر : 7 وقال صلى الله عليه وسلم : – مَن أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ – رواه البخاري ومسلم .

ثالثاً : أنَّ الحياة الطيبة لاتنال إلاَّ بالإيمان بالله تعالى ، والعمل الصالح معاً ؛ ودليل الايمان قول الله تعالى : – لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ….- البقرة : 177 وقال تعالى : – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا – النساء : 136 – 137 وقال صلى الله عليه وسلم : – الإيمانُ بضعٌ وسَبعونَ -أو بضعٌ وسِتُّونَ- شُعبةً ، فأفضَلُها قَولُ لا إلَهَ إلَّا اللهُ ، وأدناها إماطةُ الأذى عَنِ الطَّريق ، والحَياءُ شُعبةٌ مِنَ الإيمانِ – رواه البخاري ومسلم ؛ وقال صلى الله عليه وسلم : – ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه ، وإذا فسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كُلُّه ، ألا وهي القَلبُ – رواه البخاري ومسلم .

رابعا : إذا توفر الإيمان في قلب المسلم ؛ وصلحت جوارحه بالأعمال الصالحة ؛ نال بذلك لذة الإيمان في قلبه ؛ والحياة الطيبة في صدره ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – ذاقَ طَعمَ الإيمانِ مَن رَضيَ باللهِ رَبًّا ، وبالإسلامِ دينًا ، وبمُحَمَّدٍ رَسولًا – رواه مسلمٌ في صحيحه ؛ وقال صلى الله عليه وسلم : – ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوةَ الإيمان : أن يَكونَ اللهُ ورَسولُه أحَبَّ إليه ممَّا سِواهما ، وأن يُحِبَّ المَرءَ لا يُحِبُّه إلَّا للَّهِ ، وأن يَكرَهَ أن يَعودَ في الكُفرِ كما يَكرَهُ أن يُقذَفَ في النَّارِ – رواه البخاري ومسلم .

خامساً : قال بعض السلف في معنى الحياة الطيبة غير ما ذكر في تفسير ابن كثير رحمه الله يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : – سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول : إنَّ في الدنيا جنةً ، من لم يدخُلْها لم يدخل جنةَ الآخرة – وقال لي مرَّة : – ما يَصنع أعدائي بي؟ أنا جَنَّتي وبُستاني في صدري ، أَنَّى رُحتُ فهي معي لا تفارقني ، إنَّ حَبْسي خلوة ، وقَتْلي شَهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة -وكان شيخ الإسلام رحمه الله يقول : – المَحبوس مَن حُبس قلبُه عن ربِّه ، والمأسور من أَسَرَه هواه – قال بعض الصالحين : – وإنَّه لتمرُّ بي أوقات أقولُ : إن كان أهل الجنَّة في مِثل هذا ، إنَّهم واللهِ لفي عيشٍ طيب! – وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله يقول : – لَأهْلُ الليلِ في ليلهم ألَذُّ من أهلِ اللَّهو في لَهْوهم ، ولولا اللَّيل ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا –

أيها الإخوة القراء : هذه هي الحياة الطيِّبة ؛ التي أَخبر اللهُ عز وجل عنها في كتابه الكريم في قوله تعالى : – مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ – النحل: 97 –

وليست الحياة الطيبة فقط في المآكِل ، والمشارِب ، والأموالِ ، والمناصب ، والعقارات ، وغيرها من لذات الدنيا الفانية ، إنَّما الحياةُ الطيِّبة هي سعادةُ القلب ، وفرَحُه ، وسروره ، وهل النَّعيم إلا نعيمُ القلب؟! فإذا تنَعَّم القلبُ ، واطمأنَّ وانشرح ، وذاق طعمَ الرِّضا ، والفرَح ؛ تَبِعَه البدنُ في ذلك ، قال ابنُ القيِّم رحمه الله : – فأَطيَبُ ما في الدنيا مَعرفتُه ، ومحبتُه ، وألذُّ ما في الجنَّة رؤيتُه ، ومُشاهدته ؛ فمحبتُه ، ومعرفته قرَّةُ العيون ، ولذَّةُ الأرواح ، وبَهجةُ القلوب ، ونعيمُ الدنيا ؛ وسرورُها ؛ بل لذَّات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلامًا وعذابًا ، ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك – وقال أيضاً رحمه الله : – ولا شيء على الإطلاق أنفعُ للعبد من إقبالِه على الله ، واشتغالِه بذِكره ، وتنعُّمِه بحبِّه ، وإيثارِه لمرضاته ؛ بل لا حياةَ له ، ولا نعيمَ ولا سرورَ ، ولا بهجةَ إلا بذلك – نسأل الله صلاح قلوبنا ، وأعمالنا ؛ وأزواجنا ، وذرياتنا ، وقراباتنا ، وأحبابنا ؛ وكل من له حقٌّ علينا ؛ وأن يحشرنا وإياهم في زمرة المتقين الأبرار في جنات النعيم ؛ الذين لا خوفٌ عليهم ، ولا هم يحزنون ؛ ونسأله تعالى أن يعيذنا من خزي الدنيا ؛ وعذاب الآخرة ؛ إنَّ ربنا حليمٌ غفار ؛ اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬