مقالات

قيمة العفو والصفح

  حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

  حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ؛ ثمَّ أمَّا بعد :

إخواني القراء الكرام : من الصفات العظيمة التي دعا إليها ديننا الإسلامي ؛ صفتا العفو والصفح عمن ظلمك ، وأساء إليك ؛ مع قدرتك على الانتقام ؛ وأخذ حقك ممن اعتدى عليك ، وأساء إليك ؛ قال الله تعالى : – خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ – الأعراف : 199وقال تعالى : – فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ – البقرة : 109 وقال تعالى : – فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ – المائدة : 13 وقال تعالى : – فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ – الحجر : 85 ، وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : – تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ ؛ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ – أي تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إلي . أخرجه النسائي وغيره ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 2954 وأخرج الإمام أحمد ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب برقم 2467 عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ : لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي : يَا عُقْبَة بْنَ عَامِرٍ ؛ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ – وأخرج الترمذي ؛ وقال حديثٌ صحيح : – عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ الرَّجُلُ أَمُرُّ بِهِ فَلاَ يَقْرِينِي ، وَلاَ يُضَيِّفُنِي ، فَيَمُرُّ بِي ، أَفَأَجْزِيهِ؟ قَالَ : لاَ ، أَقْرِهِ – أي أكرمه ، وأحسن ضيافته ، ولا تقابله بمثل فعله .

أخي القارئ الكريم : معنى العفو والصفح عند العرب : العفو التجاوز ، وترك الانتقام .

والصفح : ترك التأنيب والعتاب .

وقال البيضاوي : العفو ترك عقوبة المذنب . والصفح : ترك لومه.

أيها الإخوة القراء : إنَّ للعفو ، والصفح مكانةٌ عظيمةٌ في شريعة الإسلام لا يصل إليها إلا من جرّد نفسه لله ، وجاهد نفسه من أجل الله ، وكظم غيظه ابتغاء ثواب الله .

فما أحوجنا أيها الإخوة القراء إلى هذا الخلق العظيم ؛ الذي فيه الطمأنينة ، والسكينة ، وفيه العزة ، وشرف النفس ، وبه تكتَسَبُ الرّفعةً والمحبة عند الله ، وعند الناس .

ومما يدل على مكانة العفو أنَّ العفْوُ من صفات الله عز وجل ، والعفو من أسمائه الحسنى :

ومعناه : الذي يمحو السيئات ، ويتجاوز عن المعاصي ، ويصفح عمن تاب وأناب ؛ قال تعالى : – إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً – النساء : 43 وقال تعالى : – وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ – الشورى : 25 وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الله تعالى عفوّ كريمٌ يحبّ من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض ، وأن يتجاوز بعضهم عن بعض ؛ فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَة القَدْرِ ، مَا أَقُولُ فِيهَا ؟ قَالَ : قولي : اللهمّ إنّك عفوّ تحبّ العفوَ فاعف عنّي . رواه الترمذي في سننه ؛ وصححه الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين 4/249 .

أيها الإخوة القراء : إنَّ العفو والصفح عمن أساء إلينا خلق ٌ عظيمٌ من أخلاق الأنبياء والمرسلين :

فهذا يوسف عليه الصلاة والسلام فَعَلَ إخوتُه فيه ما حكاه الله تعالى لنا في كتابه ، فلمّا مكّن الله له ، وجاءوا إليه يعتذرون ؛ هل انتقم منهم؟ هل عذبهم كما عذبوه ؟ هل ضربهم كما ضربوه ؟ هل أهانهم كما أهانوه؟… أبداً ؛ بل قابلهم بالعفو ، والصفح ، والمعروف ، والإحسان : – قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ – يوسف : 92 .

وهذا نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم قد بلغ القمة ، والدرجة العالية في العفو ، والصفح ؛ كما هو شأنه في كل خلُقٍ من الأخلاق الكريمة ، فكان عفوه يشمل الأعداء ؛ فضلاً عن الأصحاب ؛ وكان صلى الله عليه وسلم أجمل الناس صفحاً ، وعفوا ، يتلقى من قومه الأذى ، والعداء ؛ فيُعرض عن لوْمهم ؛ أو تعنيفهم ؛ أو مقابلتهم بمثل عملهم ، ثم يعود إلى دعوتهم ، ونصحهم ؛ كأنما لم يلق شيئاً من الأذى منهم ؛ ولهذا لما سئلت أمُّ المؤمنين عن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَتْ : – لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا ، وَلَا مُتَفَحِّشًا ، وَلَا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ – رواه الترمذي في سننه ؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم 2016 وفي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : – مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ ، وَلاَ امْرَأَةً ، وَلاَ خَادِمًا ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيءٌ قَطُّ ؛ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ ، إِلاَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَيءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ؛ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ – وفي صحيح البخاري عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ رحمه الله قَالَ : لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي التَّوْرَاةِ . قَالَ أَجَلْ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآن : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ؛ وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي ، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ ، لَيْسَ بِفَظٍّ ، وَلاَ غَلِيظٍ ، وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ ، بِأَنْ يَقُولُوا : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ . وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا ، وَآذَانًا صُمًّا ، وَقُلُوبًا غُلْفًا .

إخواني القراء : كذلك إنَّ العفو والصفح كما هو من سمات الأنبياء ؛ فهو أيضاً من صفات الصالحين الفضلاء ؛ الذين شرفت نفوسهم ، وطهرت قلوبهم ، وعلت عند الله مراتبهم :

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستهزئ به رجل ، ويتهمه بالبخل ، والظلم ، فيعفو عنه ، ويصفح ؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه عنه ابْن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أن عُيَيْنَة بْنَ حِصْنِ بْن حُذَيْفَةَ دَخَلَ عَلى عمر فقَالَ : هِيْ يَا ابْنَ الخَطَّابِ ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ ، وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ ؛ فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ بْن قَيْسٍ : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : – خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ – الأعراف : 199وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ ؛ وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ – .

وهذا أبو الدرداء رضي الله عنه يمر بجماعة تجمهروا على رجلٍ يضربونه ، ويشتمونه ، فقال لهم : ما الخبر؟ قالوا : وقع في ذنبٍ كبيرٍ ، قال : أرأيتم لو وقع في بئر ، أفلم تكونوا تستخرجونه منه؟ قالوا : بلى . قال : فلا تسبوه ، ولا تضربوه ، لكن عِظُوه ، وبصِّروه ، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في مثل ذنبه .

وهكذا كان أئمة السلف رحمة الله عليهم أجمعين متخلقين بخلق العفو والصفح :

فهذا الإمام البخاري رحمه الله ، يقول له بعض أصحابه : إنّ بعض الناس يقع فيك قال : – إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا – النساء : 76 وتلا أيضًا قوله تعالى : – وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأهْلِهِ – فاطر : 43 .

عليكم إخواني القراء بالعفو ، والصفح ، والتجاوز عن الآخرين ؛ فإنه لا عافيةَ ولا راحة ، ولا سعادة إلا بسلامةِ القلب ؛ من وسَاوس الشيطان ، وغواشي الغِلّ ، ونيران العداوة ، وحسائِك الحقد ، ومن أمسَك في قلبِه العداوة ، وتربَّص الفرصَةَ للنّقمَة ، وأضمَر الشّرَّ لمن أساء إليه تكدَّر عيشُه ، واضطربت نفسُه ، ووهنَ جسدُه ، وأُكِل عِرضُه .

وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل هادئاً مطمئناً ، يرجو الثواب والأجر من الله ، لأنَّه عفا ولم ينتقم ؛ أمَّا من انتصر لنفسه ؛ وانتقم لها ؛ فإنه يبيت مضطرباً ؛ قلقاً ؛ تراوده الهموم ؛ والهواجس ؛ لعله قد تجاوز الحد واعتدى ، فيقول يا ليتني عفوت ؛ وتجاوزت وما انتقمت ؛ ويرحم الله الإمام الشافعي إذ يقول :

لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ

أرحت نفسي من هم العداوات

نسأل الله أن يهب لنا من أمرنا رشداً ، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ؛ اللهم حبب إلينا الإيمان والأخلاق الحسنة، وزينها في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والأخلاق السيئة ، وعافنا منها ؛ اللهم احشرنا في زمرة المتقين الأبرار ؛ وقنا برحمتك عذاب القبر والنار ؛ اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬