الأسر الفندقية… عزلة وسط الأهل

بقلم الكاتبة د. هنيدة قدوري
” ليست كل البيوت أسرًا، فبعضها يجمع الأجساد، بينما تظل القلوب متباعدة”
يراودني سؤال يتكرر في ذهني باستمرار: هل نحن حقًا قريبون من أبنائنا، أم أننا أصبحنا مجرد أشخاص يعيشون تحت سقف واحد؟ وكيف يمكن أن نستعيد ذلك الترابط الأسري الذي عُرفت به الأسرة السعودية، وكان أحد أبرز أسباب تماسكها وتميزها بين المجتمعات؟
لقد فرضت وتيرة الحياة المتسارعة، والتطور التقني المتلاحق، وتغيّر كثير من المفاهيم الاجتماعية والتربوية، واقعًا جديدًا أثّر بصورة واضحة في بنية الأسرة، ولم تعد المشكلة في اجتماع أفراد الأسرة داخل المنزل، بل في غياب التواصل الحقيقي بينهم؛ فأصبح كل فرد يعيش في عالمه الخاص، يحمل هاتفه بين يديه، بينما تبتعد القلوب رغم تقارب المسافات.
وللأسف، بدأت تظهر ظاهرة يمكن أن نطلق عليها “الأسر الفندقية”؛ حيث يتحول المنزل إلى مكان للنوم والطعام فقط، بينما تغيب فيه الحوارات، وتضعف المشاركة، وتتراجع مشاعر القرب والاحتواء، فيعيش كل فرد وكأنه نزيل في فندق، يلتقي بأفراد أسرته في الممرات، لكنه لا يشاركهم تفاصيل حياته ولا يعرف ما يدور في أعماقهم.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أن أفراد الأسرة قد يعرفون أسماء بعضهم وأعمارهم، لكنهم يجهلون أحلام بعضهم واحتياجاتهم ومخاوفهم وطريقة تفكيرهم، فتتسع الفجوة النفسية والعاطفية تدريجيًا حتى يصبح التواصل بينهم شكليًا، بينما تتجه المشاعر والاهتمامات إلى المجتمعات الافتراضية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي استحوذت على الوقت والانتباه، وأضعفت دفء العلاقات الإنسانية داخل الأسرة.
ومن هنا فإن المسؤولية مشتركة، تبدأ من الوالدين قبل غيرهما:
– فالأم، مهما بلغت مسؤولياتها العملية، تبقى المدرسة الأولى وصاحبة الأثر الأعمق في بناء شخصية أبنائها، وهي مطالبة بالموازنة بين نجاحها المهني ورسالتها التربوية.
-والأب لا ينبغي أن يقتصر دوره على توفير الاحتياجات المادية، بل يمتد إلى الرعاية والاحتواء والمتابعة والحوار وغرس القيم وصناعة الذكريات الجميلة مع أبنائه.
-والأسرة عليها إعادة إحياء ثقافة الحوار اليومي، وتخصيص وقت يومي خالٍ من الأجهزة الإلكترونية، وعقد اجتماع أسري أسبوعي، ومشاركة الأبناء في بعض القرارات الأسرية، وممارسة نشاط عائلي مشترك بصورة منتظمة، والجلوس على مائدة واحدة، والاستماع إلى هموم الأبناء ومشاركتهم تفاصيل حياتهم التي تعد أعظم استثمار تربوي يبني إنسانًا واثقًا ومتزنًا.
– كما أن للإعلام مسؤولية وطنية واجتماعية في تقديم برامج أسرية هادفة تعزز القيم وتنشر الوعي، وتقدم حلولًا عملية بلغة واضحة ومختصرة.
– أما الجمعيات والمؤسسات المتخصصة في الإرشاد الأسري يقع على عاتقها تفعيل المبادرات والبرامج الوقائية والعلاجية التي تسهم في حماية الأبناء من الآثار النفسية والسلوكية المترتبة على التفكك الأسري.
الخطر الحقيقي ليس أن ينشغل الأبناء بهواتفهم بل أن ينشغل الآباء عن أبنائهم، فالأبناء لا يتذكرون حجم ما أنفقناه عليهم، وإنما يتذكرون مقدار الحب والوقت الذي منحناهم إياه، والذكريات التي صنعناها لهم.
فلنجعل بيوتنا أماكن تُصنع فيها الذكريات الجميلة قبل أن تتحول إلى فنادق تجمع الأجساد وتفرّق القلوب.




