حين كان الضحك حكمة… من نوادر العرب

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
يظن بعض الناس أن العرب لم يعرفوا إلا الفروسية والحروب والخطب الطويلة، لكن من يقرأ كتب التراث يكتشف أنهم كانوا أيضًا أصحاب نكتة حاضرة، ولسان سريع، وردود تجعل المستمع يضحك ثم يقول بعدها: “والله إنها حكمة.”
فقد كان الضحك عندهم ذكاءً، وكانت الدعابة فنًا لا يجيده إلا أصحاب العقول الراجحة. لم يكن أحدهم يجرح ليُضحك، ولا يسخر ليُشتهر، بل كانت الكلمة اللطيفة تُقال في وقتها فتخفف الموقف، وتبقى تُروى مئات السنين.
ومن أجمل ما يُروى أن رجلًا دخل على أحد البخلاء وقت الغداء، فارتبك البخيل وقال سريعًا: “لعلك أكلت؟” فأجابه الرجل مبتسمًا: “ولو كنت أكلت… ما ظننتك ستتركني أخرج دون أن تسأل!”
فسكت البخيل، وضحك الحاضرون، وبقي الرد أشهر من البخل نفسه.
ويُحكى أن أعرابيًا سُئل: “كيف حالك؟” فقال: “بخير… إلا أن الدنيا إذا أقبلت على غيرنا فرحنا لهم، وإذا أدبرت عنا صبرنا عليها.”
فضحك من حوله من حسن جوابه، فقد جمع الشكوى والرضا في جملة واحدة.
وسأل رجلٌ صديقًا معروفًا بكثرة النوم: “ما سر حبك للنوم؟” فقال: “لأنني كلما استيقظت وجدت الأسعار قد ارتفعت!”
ولو عاش بيننا اليوم لوجد من يوافقه الرأي، وربما عاد إلى النوم مرة أخرى!
وكان أحد الظرفاء يقول: “أخشى أن أصبح غنيًا، ليس خوفًا من المال، بل خوفًا من كثرة الأقارب الذين سيكتشفون فجأة أنهم يحبونني منذ سنوات!”
ولعلها من أصدق الطرائف؛ فالمال أحيانًا يكشف من الوجوه أكثر مما تكشفه المواقف.
لقد كان أسلافنا يدركون أن الابتسامة صدقة قبل أن تُكتب في بطاقات التهنئة، وأن الضحكة الصادقة قد تكون علاجًا لقلب أثقلته الهموم. لذلك لم تكن مجالسهم تخلو من طرفة، ولا أسفارهم من قصة، ولا لياليهم من راوٍ يروي نادرة تذهب عنهم عناء الطريق.
واليوم، وسط زحام الحياة وضجيجها، ربما نحتاج أن نستعير شيئًا من خفة أرواحهم. أن نضحك أكثر، وأن نبتسم بلا تكلّف، وأن ندرك أن الحياة، مهما ازدحمت بالمسؤوليات، لا تستحق أن نعيشها بوجوه عابسة طوال الوقت.
فالابتسامة لا تُنقص من الوقار، والدعابة الجميلة لا تُسقط الهيبة، بل إن أجمل الناس أثرًا هم أولئك الذين إذا حضروا أضاءت المجالس، وإذا تكلموا ابتسمت الوجوه، وإذا رحلوا بقيت كلماتهم الطريفة تُروى كما تُروى نوادر العرب… جيلاً بعد جيل.




