مقالات

متقاعدو ومتقاعدات التعليم… أنتم الحكاية التي لا تنتهي

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

هناك أناس لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، بل بعدد الأجيال التي صنعوها، والقلوب التي احتضنوها، والعقول التي أناروها. أولئك هم متقاعدو ومتقاعدات التعليم… الذين لم تكن وظائفهم مجرد حضور وانصراف، بل كانت رسالةً سامية، ووطنًا صغيرًا يسكن في كل فصل دراسي.

سنواتٌ طويلة مضت، كانوا فيها أول الواصلين وآخر المغادرين. حملوا على عواتقهم مسؤولية بناء الإنسان قبل بناء المعرفة، وغرسوا القيم قبل الدروس، وربّوا قبل أن يعلّموا. تحملوا مشقة الطريق، وضغط العمل، وتعاقب المناهج، واختلاف الأجيال، وظلوا ثابتين؛ لأنهم كانوا يؤمنون أن التعليم ليس وظيفة، بل رسالة حياة.

ولعل أعظم ما يلفت النظر أننا نتعب أحيانًا من تربية أربعة أو خمسة أو ستة أبناء داخل منازلنا، فكيف بمن قضى عمره بين مئات، بل آلاف الطلاب والطالبات؟! استقبلوا الطفل في أول يوم دراسي وهو يبكي خوفًا، وربّتوا على كتفه حتى اطمأن، واحتووا الخجول بصبر، ووجّهوا المشاغب بحكمة، وأعادوا الثقة إلى المتعثر حتى نهض من جديد. كانوا يكررون الشرح عشرات المرات دون أن يتذمروا، ويتعاملون مع اختلاف الأعمار، والقدرات، والطباع، والفصول المزدحمة، وكأن كل طالب هو ابنٌ لهم.

لم يعلموا أبناءنا القراءة والكتابة فقط، بل علموهم كيف يكون الإنسان إنسانًا. غرسوا فيهم الصدق، والأمانة، والاحترام، والانضباط، وحب الوطن، والتعاون، والعطاء. كانوا آباءً وأمهاتٍ داخل أسوار المدرسة، يحملون هموم أبنائنا كما يحملون هموم أبنائهم، ويخفون تعبهم خلف ابتسامة تمنح طالبًا الأمل، وكلمة تشجيع قد تغيّر مستقبل إنسان بأكمله.

كم من صباح حضروا فيه وهم يخفون خلف ملامحهم تعب الحياة، وكم من همٍّ شخصي تركوه خارج أبواب المدرسة؛ لأن أمامهم رسالة أعظم، وأطفالًا ينتظرون منهم علمًا وحنانًا واحتواءً. ولم نسمع منهم يومًا شكوى من كثرة الطلاب، ولا من ازدحام الفصول، ولا من اختلاف الطباع، بل كانوا يؤدون رسالتهم بإخلاص، ويزرعون الخير بصمت.

واليوم، وبعد أن طُويت سنوات الخدمة، لا يعني التقاعد نهاية العطاء، بل هو وسام شرف يزين أعمارًا أفنيت في خدمة الوطن. فالوظيفة انتهت، أما الأثر فلا ينتهي، والدوام توقف، أما الدعوات الصادقة من آلاف الطلاب والطالبات فما زالت تسبق أسماءهم إلى السماء.

ففي كل طبيب يعالج، ومهندس يبني، ومعلم يواصل الرسالة، وجندي يحمي الوطن، وقائد يخدم أمته، هناك معلم أو معلمة كان يومًا ما سببًا بعد الله في صناعة ذلك النجاح.

شكرًا لكل متقاعد ومتقاعدة من أسرة التعليم… شكرًا لكل يدٍ أمسكت قلمًا لتكتب مستقبل وطن، ولكل قلب احتوى طالبًا، ولكل روح صبرت وضحّت وأخلصت. لقد صنعتم أجيالًا، وتركتم إرثًا من العلم والقيم والإنسانية سيبقى حيًا في ذاكرة الوطن.

نسأل الله أن يجعل كل حرفٍ علّمتموه، وكل دمعةٍ مسحتموها، وكل قيمةٍ غرســتموها، وكل طالبٍ انتفع بعلمكم، في موازين حسناتكم، وأن يرزقكم سعادةً تليق بسنوات عطائكم، وأن يجعل ما قدمتموه شاهدًا لكم لا عليكم.

إلى متقاعدي ومتقاعدات التعليم… قد تنتهي سنوات الخدمة، لكن الرسالة التي عِشتم لها، والأثر الذي تركتموه، سيبقى حيًا في القلوب ما بقي العلم، وما بقي في هذه الأرض طالبٌ يتعلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬