مقالات

البيوت لا تهدمها الخلافات… بل تهدمها الأبواب المفتوحة 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

لايوجد بيتٌ يخلو من الخلاف، ولا علاقة زوجية تسير على وتيرة واحدة طوال العمر؛ فالحياة بطبيعتها تتقلب بين رضا وغضب، واتفاق واختلاف، وقرب وفتور. وقد يخطئ الزوج في حق زوجته، وقد تخطئ الزوجة في حق زوجها، وقد تمر العلاقة بأيام ثقيلة تكشف اختلاف الطباع وضغوط الحياة. لكن كثيرًا من البيوت لا تنهار بسبب الخلاف نفسه، بل بسبب الطريقة التي أُدير بها، وبسبب الأبواب التي فُتحت للآخرين حتى أصبح ما يحدث بين شخصين شأنًا يعرفه الجميع.

تبدأ المشكلة صغيرة بين زوجين، كلمة قيلت في لحظة غضب، أو موقف أسيء فهمه، أو تقصير يمكن معالجته بحوار هادئ، ثم يخرج أحد الطرفين ليحكي ما حدث. الزوج يحدث أصدقاءه عن زوجته، والزوجة تروي لصديقاتها أو أهلها تفاصيل زوجها، وكل واحد منهما يسرد الحكاية من زاوية ألمه وغضبه. وهنا تبدأ المشكلة في أخذ حجم أكبر من حقيقتها.

فالزوجة قد تغضب اليوم من زوجها وتشتكي منه، ثم تهدأ غدًا وتسامحه وتعود الحياة بينهما كما كانت، لكن أهلها الذين سمعوا شكواها قد لا ينسون. والزوج قد يشتكي زوجته لصديق ثم يصالحها في المساء، بينما تبقى صورتها في ذهن ذلك الصديق كما رسمها زوجها ساعة الغضب.

ولهذا فإن أسرار البيوت حين تخرج لا تعود كما كانت، وبعض الكلمات التي نقولها ونحن غاضبون قد نسامح أصحابها لاحقًا، لكننا لا نستطيع إجبار من سمعها على نسيانها.

والأصعب أن يتحول الخلاف الزوجي من مشكلة تحتاج إلى حل إلى معركة يبحث فيها كل طرف عمن يؤيده. الزوج يريد من يقول له: أنت على حق، والزوجة تبحث عمن يقول لها الشيء نفسه، فتتشكل حولهما جبهتان، وكل طرف يسمع رواية واحدة، حتى يصبح السؤال: من المخطئ؟ ومن سينتصر؟ بدلًا من السؤال الأهم: كيف نحافظ على هذا البيت؟

والحقيقة التي ينبغي أن نقولها بإنصاف أن الظلم في الحياة الزوجية ليس حكرًا على طرف دون الآخر. هناك نساء عشن سنوات من القسوة والإهمال والإهانة والتسلط، وهناك رجال عاشوا ظلمًا نفسيًا واستنزافًا ومطالب لا تنتهي، وربما حُرم بعضهم من أبنائه أو شُوهت صورته أمام الآخرين.

فالظلم لا جنس له؛ قد يكون الظالم زوجًا، وقد تكون زوجة، وقد يكون طرفًا ثالثًا لم يعرف أين تنتهي حدود النصيحة وأين يبدأ التدخل.

ومن أكثر الصور التي نراها في واقعنا إيلامًا أن يبحث أهل الشاب بأنفسهم عن زوجة لابنهم، ويختاروها، ويمدحوها، ويترددوا على بيت أهلها طالبين قربها، ويسعدوا بموافقتها، ثم بعد الزواج تبدأ المشاعر في التغير.

فجأة تصبح الزوجة التي كانوا بالأمس يتمنون دخولها إلى العائلة موضع مقارنة وملاحظة وانتقاد.

لماذا اشترى لها؟

لماذا سافر معها؟

لماذا أصبح يستشيرها؟

لماذا تغير بعد الزواج؟

لماذا لم تعد زياراته كما كانت؟

وتبدأ كلمات صغيرة، ثم تفسيرات، ثم نقل كلام، وربما تتحول المحبة الأولى إلى غيرة غير معلنة، وكأن الزوجة جاءت لتأخذ الابن من أسرته، مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: الابن لم يُؤخذ من أسرته، بل أصبح له بيت وأسرة ومسؤوليات جديدة.

حب الرجل لزوجته لا يعني أن حبه لأمه نقص، واهتمامه ببيته لا يعني أنه أصبح عاقًا لأهله، واستقلاله بقرارات حياته الزوجية لا يعني أنه نسي أسرته.

وفي المقابل، الزوجة العاقلة لا تجعل نفسها في منافسة مع أهل زوجها، ولا تطلب منه أن يختار بينها وبين أمه أو أسرته، ولا تعتبر كل اهتمام بأهله انتقاصًا من مكانتها؛ فالعلاقات السوية تتسع للجميع، ولا تحتاج إلى إقصاء أحد حتى تثبت مكانة الآخر.

والصورة نفسها قد تحدث في بيت الزوجة. يوافق أهل الفتاة على الرجل، ويسألون عنه، ويمدحونه، ويزوجونه ابنتهم وهم راضون، ثم تبدأ الحياة الزوجية الطبيعية بما فيها من خلافات، فتتغير النظرة إليه.

تأتي الابنة غاضبة من موقف، فتسمع: لا تسكتي له.

تشتكي من تقصير، فيقال لها: فلانة زوجها يفعل لها أكثر.

يختلفان في أمر بسيط، فيقال: عودي إلى بيت أهلك.

وبدل أن يسمع الزوجان كلمات تهدئ النفوس، يسمعان كلمات تضخم المشكلة، حتى يصبح الخلاف الذي كان يمكن أن ينتهي في ساعة قضيةً بين عائلتين.

وهنا تظهر قيمة الأهل الحكماء؛ فليس أجمل من أم تسمع ابنتها ثم تقول لها: اهدئي وتحدثي مع زوجك، ولا من أم تسمع ابنها غاضبًا من زوجته فتقول له: لا تظلِمها وأنت غاضب، اذهب وأصلح بيتك.

ذلك هو الحب الحقيقي للأبناء.

فليس كل من وقف مع ابنه قد نصره، وليس كل من وافق ابنته قد أنصفها؛ أحيانًا يكون أعظم أشكال النصرة أن تمنع من تحب من الظلم وهو غاضب.

ثم يأتي ناقل الكلام، وهو من أخطر من يدخلون العلاقات الزوجية والعائلية. ينقل كلمة من الزوجة إلى أهل الزوج، ثم يعود بما قيل عنها، ويضيف إلى العبارة نبرة لم تكن فيها، وإلى الموقف تفسيرًا لم يقصده صاحبه، حتى تتحول الكلمات الصغيرة إلى جروح كبيرة.

وكم من امرأتين كانتا متحابتين حتى دخل بينهما ناقل كلام، وكم من زوجة وأهل زوج عاشوا بسلام حتى أصبح لكل كلمة رسول، وكم من عائلتين تباعدتا بسبب جملة بدأت بـ: “قالوا عنك…”.

ولذلك ليس كل ما يُقال لنا ينبغي أن نعرفه، وليس كل ما نعرفه يستحق الرد، وليس كل ناقل كلام يريد الإصلاح.

ويبقى للأهل حقهم العظيم في البر والتقدير والاحترام، لكن البر شيء، وإدارة الحياة الزوجية شيء آخر.

من حق الأب والأم النصيحة، ومن حقهم الخوف على ابنهم أو ابنتهم، لكن ليس من حق أحد أن يعيش داخل تفاصيل بيت آخر أو يتخذ قراراته نيابة عنه ما دام الأمر لا يتعلق بظلم أو أذى حقيقي يستوجب التدخل.

فالزوج الذي ينقل كل صغيرة وكبيرة إلى أهله يجعل بيته مكشوفًا، والزوجة التي تجعل أهلها وصديقاتها يعرفون تفاصيل يومها مع زوجها تفتح نوافذ كثيرة في جدار كان ينبغي أن يحمي حياتهما.

والحل ليس أن نصنع بيوتًا مغلقة على الظلم؛ فهناك فرق كبير بين حفظ خصوصية الحياة الزوجية وبين السكوت عن الأذى. حين يكون هناك عنف أو إهانة أو ظلم حقيقي، يصبح طلب المساعدة حقًا وضرورة. أما الخلافات اليومية والمواقف العابرة، فلا ينبغي أن تتحول في كل مرة إلى اجتماع عائلي ومحكمة اجتماعية.

حين يغضب الزوج من زوجته، فليتحدث إليها قبل أن يتحدث عنها، وحين تتألم الزوجة من زوجها، فلتخبره بما يؤلمها قبل أن تخبر الجميع. وإذا تعذر الحل بينهما، فليختارا شخصًا حكيمًا أمينًا يعرف كيف يصلح، لا شخصًا يجيد إشعال النار.

وقبل أن تحرض أم ابنتها على زوجها، عليها أن تسأل نفسها: هل أنا أحمي ابنتي فعلًا، أم أدفعها إلى قرار ستندم عليه؟

وقبل أن يملأ أهل الزوج قلبه على زوجته، عليهم أن يتذكروا أن هذه المرأة أصبحت أسرته وأم أبنائه أو شريكة حياته.

وقبل أن يشكو الرجل زوجته لكل صديق، عليه أن يتذكر أنه سيصالحها يومًا ثم يطلب منها الجلوس أمام أشخاص سبق أن كشف لهم عيوبها.

وقبل أن تحكي المرأة كل عيوب زوجها لمن حولها، عليها أن تتذكر أنها ربما ستسامحه غدًا، لكن الآخرين قد لا يسامحونه.

البيوت لا تحتاج إلى مشجعين يقفون مع هذا ضد ذاك، بل تحتاج إلى عقلاء يقفون مع الحق والإصلاح.

اختلفوا، فالاختلاف طبيعة بشرية، لكن لا تفضحوا.

عاتبوا، لكن لا تظلموا.

استعينوا بالحكماء حين تحتاجون، لكن لا تجمعوا الجماهير حول خلافاتكم.

أحبوا أهلكم وبروهم، لكن لا تسلموهم مفاتيح حياتكم الزوجية.

فكم من امرأة ظُلمت لأن أهل زوجها حكموا عليها من رواية واحدة، وكم من رجل ظُلم لأن أهل زوجته لم يسمعوا منه يومًا، وكم من زوجين افترقا وهما في الحقيقة كانا قادرين على الاستمرار، لولا كلمة نُقلت، أو نار أُشعلت، أو غيرة تسللت، أو تدخل تجاوز حدوده.

وحين نرى بيتًا يمر بعاصفة، فلا نحمل المطرقة لنساعد في هدمه، بل نحمل الحكمة لنحاول تثبيت جدرانه.

فربما لا يحتاج الزوجان إلى من يخبرهما من المخطئ، بل إلى من يذكرهما لماذا اختارا بعضهما منذ البداية.

فبعض البيوت لم يهدمها غياب الحب…

هدمتها كثرة الأصوات حين كان ينبغي ألا يُسمع داخلها إلا صوت اثنين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬