مقالات

هديٌ قرآني ” هل الاستغناء رسالة أم سلوكً عابر؟

بقلم الكاتبة: نجلاء عمر بصفر 

بقلم الكاتبة: نجلاء عمر بصفر 

نسمع كثيرا عن بعض محاولات التخلي والاستغناء عن بعض الأشخاص.. بعض العادات او حتى ترك البيوت والحزن والشعور بالخذلان للوصول لهذه النتيجة والتي لم ترد ضمن حلولنا القاصرة البسيطة وسط محاولات الاحتفاظ ونحن لا نعلم أن في الاحتفاظ أكبر المُصاب.. ونعود ونتساءل.. لم ترك ذلك الآخر؟ لما ترك ذلك الإنسان تلك الوظيفة؟ لِما تخلى عن تلك الفرصة؟ وغيرها من الأسئلة التي قد تدور في أذهاننا ونحن لا نعرف بواطن الأمور كل ما نعلمه أنه لم يصبر وخسر فرصة ذهبية حسب رؤيتنا.. ولكلٍ حكمة إلهية وحماية ورعاية ربانية تحيطنا لصرف كل ذلك..

عندما تتعب من الإمساك ببعض الأشخاص او بعض أمور وتجد نفسك أن خيارك الوحيد ورجوعك الإجبار في “الترك ” إترك، أفلت يدك” دعها ترحل فما أدراك عن أن ذلك الرحيل عودة بشكل ٍ مختلف وجميل خططه الله بما يناسبك ويناسبك جمال روحك! امن محبة الله لك تتعجب لا والله .

قد لا يدرك البعض منا أن في الاستغناء والتخلي حلُ جذريُ وعميق لمعظم مشكلاتنا وإلا لما قرأناه هدي نبوي وبعض الأوامر الربانية في كتابه العزيز للتخلي على الأقل لمرحلة وفترة الله وحده أعلم بحكمتها والتي قصور تفكيرنا ومعرفتنا يقودنا إلى أمورٍ لا تصح مناقشتها امام أمر الله وحكمته والتي دائماً تُصب لمصلحتنا فهو ربنا وأعلم بنا..

لو تأملنا في كتاب الله عندما نقرأه لوجدنا الكثير من الآيات التي يأمر الله بها بالترك بالتخلي لحل المشكلة.. أنا أحدثك عن الله وحكمته ولطفه وحنانه البالغة..

عندما أمر الله أم موسى أن تلقي رضيعها في اليم.. لوجود مشكلة كبيرة آنذاك وهو فرعون الذي توعد كل مولود يولد في تلك الفترة بالقتل أمرها الله أمراً ” أن أرضعيه فإذا خفتٍ عليه فألقيه في اليم إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ” سورة القَصص “7” وجاء وعده الكريم “إنا رادوه إليك” ومكافأته العظيمة بأن يجعله من المرسلين ” وجاعلوه من المرسلين ” فألقته هي تخلت ليست طواعية، بل خوفاُ على رضيعها لا رفضاً لأمر الله بل إيماناً بالعودة الحقيقية ” وأصبح فؤاد ام موسى فارغاً وإن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين” ” القَصص – 10″ لم تحدث أحداً بفراغ قلبها في تلك الساعات والتي مرت على أم موسى وكأنها سنة، أو يزيد.. علم الله ذلك الفراغ وأعاده الله إليها.. وأقر عينها وقلبها بعودته لحضنها آمنة مطمئنة لتدخل به وسط قصر فرعون آمنة دون خوف.. لقد كان لذلك الترك حكمة إلهية أنزلها الله قرآنُ يُتلى إلى أن تقوم الساعة.

وعندما امر الله سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.. وهي أحبُ البقاع إلى قلبه.. أمره الله بتركها وقد خرج منها رغم شدة حزنه لتركه مسقط رأسه ومكان له من نفسه الطيبة مكان كبيراً.. لأن هناك رسالة عظيمة تنتظره ومرحلة أخرى جديدة من مراحل الدعوة إلى الله .. خرج وهو موقناً بوعود الله التي لن تُخلف.. وقد كانت تلك النتائج المذهلة والعطايا الربانية لحبيبه صلى الله عليه وسلم والتي تفوق العقل البشري بعودته إليها فاتحاً منتصرا..

وتتوالى سلسلة تلك الدروس العظيمة إلى امر الله بالترك بكل تلك النتائج الكبيرة الإيجابية العظيمة من قَصص القرآن الكريم وتتوالى تلك الحكم عندما امر الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بترك زوجته ” هاجر” بوادِ غير ذي زرع” وحدها مع رضيعها وذهب وقد كان سؤالاً واحداً إجابته كفيلة بالرضوخ والتسليم ” أألله أمرك بهذا؟” أجاب ” نعم” كلمة واحدة حسمت الموقف بسبب روحها الإيمانية التي تؤرخ وتدرس وتُغرس في نفوسنا ونفوس أجيالنا في ثلاث كلمات تاريخية ” لن يضيعنا الله.. نعم لن يضيعنا الله” وبدأت مع رضيعها رحلة البحث عن الماء فكانت المكافأة الجزلى العظمى وهي انبثاقُ ماء زمزم ولازالت إلى يومنا هذا .. ماء زمزم الذي يشرب منه القاصي والداني إلى مكة المكرمة..

وكل ذلك يحمل لنا بين طياته رسائل ومؤشرات.. فالأنبياء وهم يحملون رسالات ربانية أمرهم الله في مرحلة معينة بالترك والتخلي لوجود نتائج أعظم وأهداف أكبر لذلك الترك.. فما بالكم بنا نحن البشر العاديين ؟

وبهذا يعلمنا الله من القرآن الكريم ومن سيرة وهدي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم دروس وعبر في أن التخلي ليست مجرد سلوك عابر تتخلص به من الإيذاء او غيره بل للتخلي والاستغناء حِكم وإلا لما جعله الله أمراً لبعض أنبيائه لتكون النتائج بشارات مذهلة وفتوحات عظيمة .

هنا يعلمنا الله في كل يوم وفي كل ساعة أن الاستغناء ليست مجرد سلوكاً عابراً بل قد يكون حلاً لمعظم مشكلاتنا دون أن نعلم .

شرطُ واحدٌ فقط يخرجنا من هذه الدائرة من التفكيرهو ” الإيمان بأن لله حكم كثيرة ستدركها لاحقاً لأن في بعض الأمور التي طالما أحببنا قربها قد يكون فيها ضرراً علينا على المدى البعيد فتأتي حكمة الله بالاستغناء والترك واحياناً سبحان الله بعض الأمور تخرج من أنفسنا وتلقائياً لا نعود للتفكير فيها فخسارة مالا يكتبه الله لنا خيراً ليست خسارة، بل هي أعظم المكاسب.

ودمتم بود،

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬