مقالات

إمامة المتقين في العصر الرقمي: من محراب العبادة إلى ميادين الحياة

بقلم الكاتبه: رجاء الطويل

بقلم الكاتبه: رجاء الطويل

﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا

دعاءٌ تتجلّى فيه قمّة الطموح الروحي والقيادي في الإسلام، طلبٌ لا يكتفي بصلاح الذات، بل يمتدّ لإصلاح البشرية.

في عصر الركض اللامتناهي خلف الماديات، تبرز الآية القرآنية لتنقلنا من الانشغال بالنفس إلى مرحلة إحياء المعنى في حياة الناس، وإضاءة البصائر، وهداية القلوب.

تبدأ الرحلة الروحية للإمامة بفهمٍ عميق لطبيعة المطلب. فالدعاء لا يقول: واجعلني تقيًّا فحسب، بل يطلب ذروة السنام، وهي أن تكون إمامًا ومرشدًا ودليلًا لغيرك من الأتقياء.

أن تخرج من صومعتك التعبدية البعيدة عن البشر واحتياجاتهم.

فالصلاح الذي ينعزل صاحبه، وينغلق على نفسه، ويؤدي عباداته في معزلٍ عن احتياجات الآخرين، هو صلاحٌ ناقص؛ فالإمامة الروحية تفرض عليه النزول والاختلاط بالبشر، ليكون مصباحًا يضيء عتمة الآخرين.

متطهّرًا من كل الدوافع الدنيوية، من طلب شهرة، أو حب رئاسة، ومخلصًا للإمامة بحق، مطلبه الوحيد أن يُهتدى به إلى الله، لا أن يُشار إليه بالبنان، ويُصفّق له في الحل والترحال.

ولا يخفى على أحد أن الفضاء الرقمي اليوم هو الميدان الأكبر لتشكيل الإدراك الجمعي، والأكثر احتياجًا لمفهوم إمامة المتقين.

ومع تحوّل الجميع إلى صنّاع محتوى، بات الأثر الذي يتركونه يمتد عبر القارات والقرون بضغطة زر.

فكيف تتحقق إمامة المتقين في هذا الفضاء الرقمي؟

أن تكون إمامًا يعني أن تكون قدوة؛ قم بنشر محتوى رصين وموثوق، ولا تبحث عن الانتشار السريع، بل عن الأثر العميق، مبتعدًا عن الانشغال بسجالات لا تُثمر، وعن تتبّع العثرات، وضع حدًّا لموجات التحريض والتشويه، ولا تشارك حفلات التنمر الجماعي.

اختلف بأدب، فردّك الراقي، وصمتك عن الخوض في الباطل، أكبر درس يُقتدى به في الساحة الرقمية.

حارب زيف المعلومات، وفلتر الحقيقة، حيث أصبح نشر الشائعات وتزييف الواقع سهلًا في زمن الذكاء الاصطناعي.

وكن أنت أمينًا على الحقيقة، لا تشارك رابطًا، أو حديثًا، أو خبرًا إلا بعد التوثيق التام.

واجعل حسابك مرجعًا يثق به الناس، متيقنين أنه حق وصدق.

ولا تترك الساحة فارغة أمام الفاسدين خوفًا من الرياء، انشر الخير بنية الاستفادة، ونشر العلم، والموعظة الحسنة.

فإذا ألهمت واحدًا من الناس لترك معصية، أو فعل طاعة، فقد حققت الإمامة.

وبما أن الفضاء الرقمي يمنح الإنسان خلفية مستترة خلف الشاشات، أصبح الحياء أضعف، والانزلاق نحو الشبهات والشهوات أسهل، وعملك هنا هو عمل الخلوات؛ أن تتقي الله في سجل بحثك، وفي تعليقاتك، والحسابات التي تتابعها.

فكل إشارة إعجاب، أو إعادة نشر تضغط عليها، إما أن تكون لك أو عليك.

تأمل حساباتك الرقمية الحالية: هل تعبر عن روح الإمام القدوة؟

ومن الجلي والواضح أن وسائل التواصل الاجتماعي ضخّمت من شأن الأنماط السطحية والنفعية، مما أحدث فراغًا رهيبًا في القيم، وأزمةً في القدوات.

لذا، أحوج ما يحتاج إليه البشر اليوم ليس خطبًا رنانة، ولا كتب تنمية بشرية جافة، بل يحتاجون إنسانًا يمشي بينهم، ويواجه الضغوط، والأزمات النفسية، والظلم، ومع ذلك متمسكًا بأخلاقه ونزاهته.

أن ينزع ثوب الإمامة التقليدي المحصور في المحراب والمسجد، ويرتدي ثوب الحياة اليومية.

فالأب والأم اللذان يربيان أطفالًا صالحين مسؤولين، هما أئمة للمتقين.

والموظف النزيه في بيئة فاسدة، إمام للمتقين.

والمفكر الذي يدافع عن الحقيقة وسط أمواج التضليل، إمام للمتقين.

لكن كيف يتحقق هذا المطلب في واقعنا المشحون بالفتن والمشتتات؟

الإجابة يحددها القرآن بدقة:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾

الصبر في واقعنا وزماننا ليس مجرد تحمّل للمشاق، بل أصبح يحمل معنى المقاومة الواعية؛ هو صبر على جاذبية الترند، وصبر على التمسك بالقيم وسط مجتمع يسخر من الطهر، وصبر على مواصلة العطاء دون انتظار تصفيق أو هتاف.

وفهم حقيقة الدار الآخرة، واليقين المطلق بوعود الله، هو المرساة التي تمنع الإمام من الترنح والارتداد عندما تعصف به وبمجتمعه الأزمات.

إن نداء ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ يعني ألّا ترضى بالهوامش في كتاب الحياة، وألّا تقبل أن تكون رقمًا في قطيع التابعين، بل أن تكون لغيرك بوصلة، وقبلة، ومنارًا يتبدد عند عتباته ظلام الحيرة والتيه.

الفرقان (74)

السجدة (24)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬