ترتيب الروح

بقلم الكاتبة :عبير بن صديق
الحج ليس انتقالاً في الجغرافيا، بل ارتحالٌ في طبقات الوعي. إنه ليس خروجاً من مدينة إلى مدينة، ولا من وطن إلى وطن، بل خروجٌ من النسخة المألوفة من الذات إلى مساحةٍ لم تختبرها من قبل. وكأن الإنسان حين يُحرم لا يبدل ثيابه فحسب، بل يبدل نظامه المعتاد في رؤية نفسه والعالم.
في الحياة العادية تتكون شخصياتنا بهدوء لا ننتبه إليه؛ فالسلوك يتكرر حتى يصبح عادة، والعادة تستقر حتى تتحول إلى قناعة، والقناعة تمتد جذورها في أعماقنا حتى نظن أنها حقيقة ثابتة وليست مجرد تراكمٍ لتجارب متكررة. ومع مرور الزمن يلتبس علينا الفرق بين ما نحن عليه وما اعتدنا عليه، فنحسب العادة هوية، ونحسب المألوف قدراً.
ثم يأتي الحج. لا بوصفه رحلةً دينية فحسب، بل بوصفه إعادة ترتيب شاملة لعلاقة الإنسان بذاته. إنه أشبه ما يكون بمدٍّ روحاني عظيم يعبر شواطئ النفس، فيعيد رسم حدودها دون ضجيج، ويكشف للمرء أن كثيراً مما كان يظنه ثابتاً لم يكن إلا خطوطاً رسمتها العادة على رمال الزمن.
هناك يبدأ العقل بفقدان سلطته المعتادة على تفاصيل الحياة. فالإنسان الذي عاش سنوات وهو يتجنب الزحام، ويستدعي خوفه كلما رأى كثرة الناس، يجد نفسه فجأة وسط أمواج بحرٍ لا تُرى له ضفاف ، والعجيب أن الزحام نفسه لم يتغير، لكن الذي تغير هو العلاقة به. كأن الروح في تلك اللحظة تتقدم خطوة أمام العقل، فتسكت أصواته القديمة،ولا تنثر غيارها، فتجعله يمر بما كان يخشاه دون أن يحمل معه ذاكرة الخوف ذاتها.
والذي اعتاد أن يبدأ يومه بطقوسه الخاصة، يجلس على سريره طويلاً يفكر ويخطط ويراجع، يستيقظ هناك في لحظات. لا لأن عادته اختفت، بل لأن نظاماً جديداً للحياة قد حل محلها. فالإنسان في الحج لا يعيش بوصفه فرداً مستقلاً فحسب، بل بوصفه جزءاً من إيقاع جماعي هائل، تتناغم فيه الأجساد والحركات والمواعيد حتى تصبح الذات أقل انشغالاً بنفسها وأكثر اندماجاً في الكل.
بل إن أبسط السلوكيات اليومية تتعرض لإعادة تشكيل. فذلك الذي كان يمنح لكل خطوة حساباً، ولكل حركة تقديراً، يجد نفسه منساباً مع الجموع كقطرة ماء وجدت طريقها إلى النهر. لا يقاوم، ولا يخطط، ولا يراجع التفاصيل ذاتها التي كانت تشغل عقله في حياته المعتادة.
وهنا تكمن عبقرية الحج..فهو لا يطلب منك أن تغيّر نفسك مباشرة، بل يضعك في عالمٍ مختلف، ثم يترك قوانين هذا العالم الجديد تعيد تشكيلك من الداخل. وكأن الحج لا يحاور قناعاتك، بل يذهب إلى ما هو أعمق منها؛ إلى السلوك الذي أنشأها أول مرة. فإذا تبدل السلوك، بدأت العادات بالتحول، وإذا تحولت العادات بدأت القناعات تعيد كتابة نفسها بصمت.
ولهذا يشعر كثير من الحجاج بحالة من الدهشة تجاه أنفسهم. دهشة لا تنشأ من رؤية الأماكن المقدسة وحدها، بل من رؤية الإنسان لنسخة أخرى من ذاته لم يكن يعلم بوجودها. نسخة أكثر قدرة على التكيف، وأكثر احتمالاً، وأكثر مرونة مما كان يعتقد.ثم تنتهي المناسك ويعود إلى بيته.
وهنا تبدأ المفارقة.فهو يعود إلى المكان نفسه، لكنه لا يعود إليه بالطريقة نفسها. يشعر بغربةٍ لا يفهم مصدرها، وحنينٍ لا يعرف إلى ماذا يتجه. يشتاق إلى تلك الأيام كما يشتاق الإنسان إلى حلمٍ جميل، لكنه في الوقت ذاته يشعر بشيء من الثقل وهو يحاول العودة إلى تفاصيل حياته القديمة. كأن جزءاً منه ما زال هناك، معلقاً بين عرفات ومزدلفة ومنى، بينما عاد الجسد وحده إلى عنوانه الأول.
والأعجب أن التغيير الحقيقي لا يُقاس بما يشعر به الإنسان عند عودته مباشرة. فالروح قد تسبق الشعور، والعقل قد يتأخر في استيعاب ما حدث له. إن الخبرات الكبرى لا تُحدث أثرها دفعة واحدة، بل تعمل في الأعماق كما تعمل البذرة في باطن الأرض؛ لا يراها أحد وهي تنمو، لكن ظهورها فوق السطح يكون نتيجة رحلة طويلة بدأت في الخفاء.
ولذلك قد يعود الحاج وهو يظن أن شيئاً لم يتغير فيه، بينما تكون أعماقه قد دخلت بالفعل في عملية إعادة بناء هادئة. وبعد أسابيع أو أشهر يكتشف أن نظرته للأشياء تبدلت، وأن بعض مخاوفه خفت، وأن أولوياته أعيد ترتيبها، وأن المسافة بينه وبين الحياة لم تعد كما كانت.
إن الحج في ظاهره أيام معدودات، لكنه في حقيقته حدثٌ يتجاوز زمنه. فهو أشبه بانعطافة كبرى في مجرى النهر؛ قد تبدو لحظة واحدة في الخريطة، لكنها قادرة على تغيير اتجاه المياه وتأخذ معها ماتأخذ لأميال طويلة بعدها.
ولهذا لم تكن قيمة الحج في عدد أيامه، بل في عمق ما يوقظه داخل الإنسان. فربما عاش المرء بعد حجه سنوات طويلة وهو يكتشف بالتدريج ما الذي فعله الحج به. وربما أدرك متأخراً أن أعظم ما أخذه من تلك الرحلة لم يكن ما رآه بعينيه، بل ما أُعيد تشكيله في داخله.
فإذا كانت الحجة مقبولة، والنية صادقة، فإن الإنسان لا يعود منها كما خرج إليها، حتى لو خُيّل إليه ذلك. لأن الحج ليس رحلة إلى بيت الله فحسب، بل رحلة إلى ذلك الإنسان الكامن في أعماقك، الذي ظل سنوات ينتظر فرصةً ليولد من جديد.




